وإذا كانت (المدرسة الروحية) أو (الصوفية) قد سقطت أو سقط غلاتها في سوء التأويل للقرآن، فمثلها مثل المدرسة أو (المدارس العقلية) ، ومن نظر إلى (المدرسة العقلية) في تاريخ الفكر الإسلامي، يجد أن أصحابها ذهبوا بعيداً في تأويلاتهم الجائرة للنصوص أو -على الأقل- المتكلفة لها، فقد انتهى بهم هذا الشطح إلى أودية بعيدة، بل إلى مفاوز مهلكة، انطمس فيها السبيل، وعًدِمَ الدليل.
-المدرسة الفلسفية:
أبرز المدارس العقلية، مدرسة الفلاسفة، وخصوصاً المشَّائين منهم. لقد كان أكبر همهم التوفيق بين الفلسفة التي أعجبوا بها، والدين الذي ورثوه ودانوا به، ولكنهم جعلوا الفلسفة هي الأصل، والدين هو الفرع واعتبروا قول أرسطو هو الذي يُحتكم إليه، ويُعوَّل عليه، وقل الله تعالى، وقول رسوله الكريم، تابعين له، إن وافقاه فبها ونعمت، وإلا وجب تأويلهما، قَرُبَ هذا التأويل أم بعُد.
لقد أسرفوا في التأويل، فأدخلوه في كل مجالات العقيدة: الإلهيات والنبوات والسمعيات.
فالله عندهم ليس هو الإله المعروف عند المسلمين بأسمائه وصفاته المذكورة في القرآن، ليس هو الخالق لكل شيء، العليم بكل شيء، القدير على كل شيء.
والنبيُّ ليس هو الذي يكلّمه الله تعالى وحياً، أو من وراء حجاب، أو يُرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء، كما هو ثابت معلوم عند جميع المسلمين.
والمعاد ليس كما يؤمن به المسلمون: بعثاً للأجساد، وخروجاً من الأجداث، في يوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، فتُنصب الموازين، وتُنشر الدواوين، ويُسأل الناس عما كانوا يعملون، يُجزى قوم بدخول الجنة بما فيها من نعيم روحي ومادي، وآخرون بالنار، وما فيها من عذاب حسي ومعنوي.
الله عند الفلاسفة لم يخلق العالم، وهو لا يعلم بما يجري فيه من جزئيات وتفاصيل، فلا يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يَعرج فيها.
والنبي ليس بشراً يوُحَى إليه من الله بوساطة مَلَك ينزل عليه.
والبعث ليس مادياً ولا جسماً، وليس هناك جنة ولا نار بالمعنى الذي عرفناه من القرآن والحديث.