هذه عقيدة القوم كوَّنوها لأنفسهم من خارج الإسلام، ثم أرادوا أن يحملوا الإسلام عليها حملاً، وأن يجرُّوا القرآن جراً ليبرر لهم هذا الضلال المبين.
ولا ريب أن القرآن من أوله إلى آخره يُبطل ما قالوه في العقائد، ويُضادُّه مضادَّة صريحة، وخم يعلمون هذا ويقولون:"إنَّ الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما بفهمون، مقرِّبة ما لا يفهمون إلى أفهامهم بالتشبيه والتمثيل، ولو كان غير ذلك ما أغنت الشرائع البتّة".34
ومعنى هذا: أن الأنبياء يكذبون على النسا، ويقولون لهم غير الحق، ولكن لمصلحتهم؛ لأنهم -لغلظ طباعهم، وتعلق أوهامهم بالمحسوسات الصرفة- لا يقدرون على إدراك الحقيقة الموحدة، والغاية -في نظر هؤلاء- تبرر الوسيلة.
وقد ردَّ الإمام أبو حامد الغزالي على الفلاسفة، بعد أن درس فلسفتهم وهضمها وألّف في ذلك كتابه مقاصد الفلاسفة الذي لخّص فيه مقولات الفلسفة تلخيصاًَ ربما لا يقدر عليه الفلاسفة أنفسهم. ثم كرَّ عليها بالنقض والإبطال، في كتابه الشهير تهافت الفلاسفة وخطأهم في سبع عشرة مسألة، وكفّرهم ي ثلاث مسائل شهيرة: قولهم بقدم العالم، وأن الله لم يخلقه من عدم، وقولهم بأن الله لا يعلم الجزئيات والحوادث الواقعة في هذا الكون، وقولهم بأن البعث روحاني، لا جسماني، فالأجسام بعد أن تفنى لا تحيا ولا تبعث مرة أخرى لتنعم أو تعذب.35
وقد حاول الفيلسوف ابن رشد (توفي: 590 ه/1194 م) أن يدافع عن الفلاسفة، ويردَّ على الغزالي في كتابه تهافت التهافت.36 ولكن الحقيقة المرَّة أنَّ الفلاسفة استقوا عقيدتهم هذه من خارج المصادر الإسلامية. ولهذا لم يسلم لابن رشد كثير من دفاعاته، على الرغم من مهارته وخبرته بالشرعيات والعقليات.
-تأويلات الفرق الكلامية:
وما سقط فيه الفلاسفة وقعت فيه الفرق الكلامية بأقدار متفاوتة.
من ذلك تأولات الفرقة المعروفة باسم (المرجئة) من الإرجاء، وهو التأخير، لأنهم يؤخرون العمل والسلوك عن الاعتقاد والإيمان ويعتبرون مجرد الاعتقاد كافياً لنجاة الإنسان.