58 - {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ} :
نفت الآية السابقة العلم عمّن عطل عقله، وجمد فكره فلم ينظر في آيات الله نظرة تأمل، ولم يعمق التفكير في قدرته الظاهرة في مخلوقاته، وجاءت هذه الآية تبرز هذا المعنى بالقياس بين الأعمى والبصير، وبين المحسن والمسئ، ليستبين الحق من الباطل.
والمعنى: وما يستوى الأعمى الذي لا يبصر مباهج الحياة ووشيها وجمالها, ولا يعرف عدوه من صديقه، ما يستوى هذا الأعمى مع البصير الذي له عينان تجولان في أرجاء الكون، وتنطبع على ناظريهما آياته، ويشاهد بهما البساتين وزهورها وثمارها، ويتمتع بصفحات الجمال في كل الكائنات علويها وسفليها، ويرى صديقه فيلاقيه, ويبصر عدوه فيتقيه، وإذا كان هذان لا يستويان في الاستفادة من آيات الحياة الدنيا والشعور بجمالها وجلالها، والاستمتاع بها، فالأعمى محروم والبصير يتقلب في النعيم، وإذا كان هذان لا يستويان فمثلهما المؤمن الذي يعمل الصالحات في دنياه، فينعم في الدنيا بحياته ويخلد في الجنة بعد مماته، فلا يستوى مطلقًا مع الكافر المسئ إلى نفسه وإلي ربه في حياته، الخالد في النار بعد مماته {قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ} فلا تدركون الحقائق على وجهها.
وفي الآية لمحات:
1 -عدل عن التقابل الظاهر في قوله - تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ} فلم يقل: والمحسن والمسئ كما في قوله: الأعمى والبصير، إشارة إلى أن المؤمن أصل في الإحسان وعَلَمٌ له.
2 -قدم الأعمى لمناسبة العمى ما قبله من نفى العلم، وقدم الذين آمنوا بعد عكس ما قبله لمجاورة البصير وشرفه، على أن الافتنان في الأسلوب قد يقتضي طرقًا أخرى، فيقدم ما يناسب الأول ويؤخر ما يقابل الآخر كقوله - تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} أو يؤخر المتقابلان كما في قوله - تعالى:
{مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} .