وتحديد الوقتين لأنهما الوقتان المعتادان للاسترواح والراحة عند أهل الترف، فيكون ذلك أنكى في التهكم والسخرية، وأجلى في تصوير العذاب والامتهان، ويكون ما بين الوقتين متروكًا لأمر الله - تعالى - يجرى عليهم عذابًا آخر أو ينفس عنهم، ويجوز أن يراد بذكر الوقت التأبيد ما دامت الدنيا جريًا على الأُسلوب العربي في التعبير أحيانًا عن جميع الوقت بذكر الطرفين كما في قول الخنساء:
يذكِّرُنى طُلُوع الشَّمس صَخْرًا ... وأذكُرُه بِكُلّ مَغِيبِ شَمْس
ومثل هذا في القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} أي: دائما في كل وقت.
والظاهر هو المعنى الأول، وهو عرضهم على النار في وقتى الصباح والمساء، فهو المناسب لحديث الصحيحين البخاري ومسلم عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ, إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة". ومن أجل ذلك قيل بعذاب البرزخ.
{وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) }
المفردات:
{يَتَحَاجُّونَ} : يحاجّ بعضهم بعضا ويتخاصمون.
{الضُّعَفَاءُ} : الأتباع.
{لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} : للمتبوعين والسادة.
{تَبَعًا} : جمع تابع كخدم وخادم - أو على تقدير: ذوى تبع.
{مُغْنُونَ} : حاملون أو دافعون.
{حَكَمَ} : قضى وفصل.
التفسير
47 - {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ} :