وإعادة هذا تكرير للتوقيف على خطل رأيهم في عبادة غيره على طريقة التعريض ، بقرينة ما تقدم في نظيره من قوله: {لا إله إلاَّ هو فأنَّى تُؤفكون} [غافر: 62] ، وقرينةِ قوله هنا: {لا إله إلا هُو فادعوه مخلصين له الدين} [غافر: 65] .
وفُرِّع على ما ذُكِرَ من بدائع صنعه وجزيل منّهِ.
أن أنشِيءَ الثناءُ عليه بما يفيد اتصافه بعظيم صفات الكمال فقال: {فَتَبَارك الله} ، وفعل {تبارك} صيغةُ مفاعلة مستعملة مجازاً في قوةِ ما اشتُقّ منه الفعل.
وهو مشتقّ من اسم جامد وهو البَركَة ، والبركَة: اسم يدل على تزايد الخير.
وإظهار اسم الجلالة مع فعل {تبارك} دون الإِتيان بضمير مع تقدم اسمه ، فالإِظهار لتكون الجملة كلمةَ ثناء مستقلة.
و {رَبِّ العالمين} خالق أجناس العقلاء من الناس والملائكة والجنّ.
وهذا الوصف من تمام الإِنشاء لأن في ذكر ربوبيته للعالمين وهم أشرف أجناس الموجودات استحضاراً لما أفاضه عليهم من خيرات الإِيجاد والإمداد.
{هُوَ الحي لاَ إله إِلاَّ هُوَ فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} .
استئناف ثالث للارتقاء في إثبات إلهيته الحقِّ بإثبات ما يناسبها وهو الحياة الكاملة ، فهذه الجملة مقدمة لجملة {لا إله إلاَّ هُوَ} فإثبات الحياة الواجبة لذاته فإن الذي رَبَّ العالمين وأوجدَهم على أكمل الأحوال وأمدهم بما به قوامهم على ممر الأزمان لا جرم أنه موصوف بالحياة الحق لأن مدبّر المخلوقات على طول العصور يجب أن يكون موصوفاً بالحياة ، إذ الحياة (مع ما عرض من عسر في تعريفها عند الحكماء والمتكلمين) هي صفة وجودية تصحح لمن قامت به الإِدراكَ والإِرادة والفعل ، وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} في سورة [البقرة: 28] .