ولما حرك الهمم بهذا الوعظ إلى الإعراض عن دار الأنكاد والأمراض ، والإقبال على دار الجلال والجمال بخدمة ذي العز والكمال ، قال في جواب من سأل عن كيفية ذلك ما حاصله أنه بالإقبال على محاسن الأعمال ، وترك السيء من الخلال ، واصلاً بذلك على طريق البيان للبيان ، ذاكراً عاقبة كل ليثبط عما يتلف ، وينشط لما يزلف ، مشيراً إلى جانب الرحمة أغلب ، مقدماً لما هم عليه من السوء محذراً منه ليرجعوا {من عمل سيئة} أي ما يسوء من أي صنف كان: الذكور والإناث والمؤمنين والكافرين {فلا يجزى} أي من الملك الذي لا ملك سواه {إلا مثلها} عدلاً لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها ويدخل النار إن لم يكن له ما يكفرها ، فهذا هو الملك الذي ينبغي الإقبال على خدمته لكونه الحكم العدل القادر على الجزاء والمساواة في الجزاء ، فالكافر لما كان على عزم إدامه الكفر كان عذابه دائماً والفاسق لما كان على نية التوبة لاعتقاده أنه في معصية وشر كان عذابه منقطعاً ، والآية على عمومها ، وما خرج منها بدليل كان مخصوصاً فيخرج عليها جميع باب الجنايات وغيره ، ومن قال: إنها في شيء معين ، لزمه أن تكون مجملة ، لأن ذاك المعين غير مذكور ، والتخصيص أولى من الإجمال كما قال أهل الأصول.
ولما بين العدل في العقاب ، بين الفضل في الثواب ، تنبيهاً على أن الرحمة سبقت الغضب فقال: {ومن عمل صالحاً} أي ولو قل.