والبينات: إخباره بما هو مغيب عنهم من أحوالهم بطريق الوحي في تعبير الرُّؤَى ، وكذلك آية العصمة التي انفرد بها من بينهم وشهدت له بها امرأة العزيز وشاهِدُ أهلها حتى قال المَلِك: {ائتوني به استخلصه لنفسي} [يوسف: 54] ، فكانت دلائل نبوءة يوسف واضحة ولكنهم لم يستخلصوا منها استدلالاً يقتفون به أثره في صلاح آخرتهم ، وحرصوا على الانتفاع به في تدبير أمور دنياهم فأودعوه خزائن أموالهم وتدبير مملكتهم ، فقال له الملِك: {إنك اليوم لدينا مكين أمين} [يوسف: 54] .
ولم يخطر ببالهم أن يسْترشدوا به في سلوكهم الديني.
فإن قلت: إذا لم يهتدوا إلى الاسترشاد بيوسف في أمور دينهم وألهاهم الاعتناء بتدبير الدنيا عن تدبير الدين فلماذا لم يدْعُهم يوسف إلى الاعتقاد بالحق واقتصر على أن سَأَل من الملك: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف: 55] .
قلت: لأن الله لم يأمره بالدعوة للإِرشاد إلا إذا سُئل منه ذلك لحكمة كما علمت آنفاً ، فأقامه الله مقام المفتي والمرشد لمن استرشد لا مقام المحتسب المغيِّر للمنكر ، و {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} [الأنعام: 124] ، فلما أقامه الله كذلك وعَلِم يوسف من قول الملك: {إنك اليوم لدينا مكين أمين} [يوسف: 54] أن الملك لا يريد إلا تدبير مملكته وأمواله ، لم يسأله أكثر مما يفي له بذلك.
وأما وجوب طلبهم المعرفة والاسترشاد منه فذلك حق عليهم ، فمعنى: {فَمَا زِلْتُم في شَكّ مِمَّا جَاءَكُم به} الإِنحاء على أسلافهم في قلة الاهتمام بالبحث عن الكمال الأعلى وهو الكمال النفساني باتباع الدين القويم ، أي فما زال أسلافكم يشعرون بأن يوسف على أمر عظيم من الهُدى غير مألوف لهم ويهرعون إليه في مهماتهم ثم لا تعزم نفوسهم على أن يطلبوا منه الإرشاد في أمور الدين.