فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْتَوِيًا عَلَى مَكَانٍ إِلَّا مَقْرُونًا بِالْكَيْفِ قِيلَ لَهُ: قَدْ يَكُونُ الِاسْتِوَاءُ وَاجِبًا وَالتَّكْيِيفُ مُرْتَفِعٌ وَلَيْسَ رَفْعُ التَّكْيِيفِ يُوجِبُ رَفْعَ الِاسْتِوَاءِ وَلَوْ لَزِمَ هَذَا لَزِمَ التَّكْيِيفُ فِي الْأَزَلِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ كَائِنًا فِي مَكَانٍ وَلَا مَقْرُونًا بِالتَّكْيِيفِ. فَإِنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ وَلَا مَكَانَ وَهُوَ غَيْرُ مَقْرُونٍ بِالتَّكْيِيفِ وَقَدْ عَقَلْنَا وَأَدْرَكْنَا بِحَوَاسِّنَا أَنَّ لَنَا أَرْوَاحًا فِي أَبْدَانِنَا وَلَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ وَلَيْسَ جَهْلُنَا بِكَيْفِيَّةِ الْأَرْوَاحِ يُوجِبُ أَنْ لَيْسَ لَنَا أَرْوَاحٌ وَكَذَلِكَ لَيْسَ جَهْلُنَا بِكَيْفِيَّتِهِ عَلَى عَرْشِهِ يُوجِبُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى عَرْشِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ:
«قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالَ كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ» .
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَمَاءُ: مَمْدُودٌ وَهُوَ السَّحَابُ، وَالْعَمَى مَقْصُورٌ: الظُّلْمَةُ، وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ فَمَنْ رَوَاهُ بِالْمَدِّ فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ كَانَ فِي عَمَاءِ سَحَابٍ مَا تَحْتَهُ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ عَلَى الْعَمَاءِ وَمَنْ رَوَاهُ بِالْقَصْرِ فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ كَانَ فِي عَمَى عَنْ خَلْقِهِ لِأَنَّهُ مِنْ عَمِيَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ أَظْلَمَ عَنْهُ.