ثم ابتدأ تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملإه ، وهي قصة فيها للنبي صلى الله عليه وسلم تسلية وأسوة ، وفيها لقريش والكفار به وعيد ومثال يخافون منه أن يحل بهم ما حل بأولئك من النقمة ، وفيها للمؤمنين وعد ورجاء في النصر والظفر وحمد عاقبة الصبر ، وآيات موسى عليه السلام كثيرة عظمها ، والذي عرضه على جهة التحدي بالعصا واليد ، ووقعت المعارضة في العصا وحدها ثم انفصلت القضية عن إيمان السحرة وغلبة الكافرين. والسلطان: البرهان.
وقرأ عيسى بن عمر:"سلُطان"بضم اللام ، والناس على سكونها.
وخص تعالى {هامان وقارون} بالذكر تنبيهاً على مكانهما من الكفر ، ولكونهما أشهر رجال فرعون وقيل إن قارون هذا ليس بقارون بني إسرائيل ، وقيل هو ذلك ، ولكنه كان منقطعاً إلى فرعون خادماً مستعيناً معه.
وقوله: {ساحر} أي في أمر العصا. و: {كذاب} في قوله: إني رسول من الله.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لما جاءهم موسى بالنبوة والحق من عند الله ، قال هؤلاء الثلاثة وأجمع رأيهم على أن يقتل أبناء بني إسرائيل أتباع موسى وشبانهم وأهل القوة منهم ، وأن يستحي النساء للخدمة والاسترقاق ، وهذا رجوع منهم إلى نحو القتل الأول الذي كان قبل ميلاد موسى ، ولكن هذا الأخير لم تتم فيه عزمة ، ولا أعانهم الله تعالى على شيء منه. قال قتادة: هذا قتل غير الأول الذي كان حذر المولود ، وسموا من ذكرنا من بني إسرائيل أبناء ، كما تقول لأنجاد القبيلة أو المدينة وأهل الظهور فيها: هؤلاء أبناء فلانة.
وقوله تعالى: {وما كيد الكافرين إلا في ضلال} عبارة وجيزة تعطي قوتها أن هؤلاء الثلاثة لم يقدرهم الله تعالى على قتل أحد من بني إسرائيل ولا نجحت لهم فيه سعاية ، بل أضل الله سعيهم وكيدهم.
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)