(فصل: وقوع الشدة بين رحمتين)
تتمة: تأمل كيف وقع الوصف بشديد العقاب بين صفة رحمة قبله وصفة رحمة بعده فقبله {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} وبعده {ذِي الطَّوْلِ}
ففي هذا تصديق الحديث الصحيح وشاهد له وهو قوله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي"
رواه البخاري ومسلم.
وفي لفظ": سبقت غضبي"
وقد سبقت صفة الرحمة هنا وغلبت.
وتأمل كيف افتتح الآية بقوله: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ} والتنزيل يستلزم علو المنزل من عنده لا تعقل العرب من لغتها بل ولا غيرها من الأمم السليمة الفطرة إلا ذلك.
وقد أخبر أن تنزيل الكتاب منه، فهذا يدل على شيئين:
أحدهما علوه تعالى على خلقه.
والثاني أنه هو المتكلم بالكتاب المنزل من عنده لا غيره، فإنه أخبر أنه منه، وهذا يقتضي أن يكون منه قولا كما أنه منه تنزيلا.
فإن غيره لو كان هو المتكلم به لكان الكتاب من ذلك الغير، فإن الكلام فإنما يضاف إلى المتكلم به ومثل هذا {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} ومثله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} ومثله: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}
فاستمسك بحرف (مِنْ) في هذه المواضع فإنه يقطع حجج شعب المعتزلة والجهمية
وتأمل كيف قال: {تَنْزِيلٌ مِن} ولم يقل تنزيله؟
فتضمنت الآية إثبات علوه ومكانه وثبوت الرسالة.
ثم قال: {الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} فتضمن هذان الاسمان صفتي القدرة والعلم وخلق أعمال العباد
وحدوث كل ما سوى الله، لأن القدرة هي قدرة الله كما قال أحمد بن حنبل: فتضمنت إثبات القدر، ولأن عزته تمنع أن يكون في ملكه ما لا يشاؤه، أو أن يشاء ما لا يكون، فكانت عزته تبطل ذلك.
وكذلك كمال قدرته توجب أن يكون خالق كل شيء، وذلك ينفي أن يكون في العالم شيء قديم لا يتعلق به خلقه، لأن كمال قدرته وعزته يبطل ذلك.
ثم قال: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} والذنب مخالفة شرعه وأمره، فتضمن هذان الاسمان إثبات شرعه وإحسانه وفضله
ثم قال: {شَدِيدُ الْعِقَابِ} وهذا جزاؤه للمذنبين وذو الطول جزاؤه للمحسنين، فتضمنت الثواب والعقاب.
ثم قال: {لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} فتضمن ذلك التوحيد والمعاد.
فتضمنت الآيتان إثبات صفة العلو والكلام والقدرة والعلم والقدر وحدوث العالم والثواب والعقاب والتوحيد والمعاد، وتنزيل الكتاب منه على لسان رسوله يتضمن الرسالة والنبوة.