قالوا: الحق سبحانه وتعالى يريد في دينه ثلاثة أمور: عقائد، وأحكام، ومادة تؤدي هذه العقائد والأحكام وهي كلامه في القرآن، وكلٌّ من هذه الثلاثة فيه غيب وفيه مشهد.
فالعقائد وأولها الإيمان بالله وهو غَيْب لكن يمكنك الوصول إليه والاستدلال عليه بالمشاهد من مخلوقاته وعظيم صنعته وهندسته في الكون المرئي، لأن هذا الكون البديع لم يدَّع أحدٌ خَلْقه ولم ينسبه لنفسه. إذن: هو لله وحده، إذن نصدق هذا الغيب بالمشاهد، أما الغيب الذي ليس له مشهد كالصفات التي للحق سبحانه فنأخذها مما نسمع من كلامه سبحانه.
كذلك الفرائض والأحكام فيها مشهد وفيها غيب، فالصلاة والزكاة والحج والصيام كلها مشهد، وفيها غيب لا نعرف حكمته حتى الآن، فالصلاة فيها استطراق عبودية، والصيام فيه استدامة التكليف، والزكاة لاستطراق المال في المجتمع، والحج لإعلان الولاء للبيت الذي هو بيت الله، هذه أمور تستطيع أنْ تعرفها بالعقل، لكن ما الحكمة مثلاً من جَعْل الصبح ركعتين والظهر أربعاً والعصر أربعاً والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً، هذه لا نعرفها.
إذن: مع كل غيب مشهد، ومع كل مشهد غيب، كذلك كلام الله تعالى فيه غيب وفيه مشهد، أما المشهد فهو الكلام الذي نعرفه ونقرؤه ونسمعه ونكتبه ونعرف معناه وتفسيره، وفيه غيب كما في (الم، ن، ق، ص) .
فكل غَيْب محروسٌ بمشهد يساعدنا على الإيمان بالغيب؛ لأن المسائل كلها لو كانت مشهداً ما كان للإيمان مجال، فنحن الآن أنا وأنتم نجلس مجلسَ علم في مسجد الشيخ سليمان، فهل هذا المشهد لنا محل إيمان، لا بل مشهد. أما الإيمان فمحلّه الغيب، لذلك قال تعالى:
{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..} [البقرة: 3] .
لكن هذا الغيب لابدَّ أنْ تكون له شواهد من المشاهدة ومقدمة تؤدي إليه، أرأيتَ مثلاً لرحلة الإسراء والمعراج؟ هذا غيب لم يَرَهُ أحد غير سيدنا رسول الله، رحلة الإسراء كانت رحلة أرضية، ورحلة المعراج كانت رحلة سماوية، الناس شاهدتْ ما على الأرض من معالم لكن لم تشاهد ما في السماء.
لذلك لما أراد سيدنا رسول الله أن يقدم لهم دليلاً على صدقه وصف لهم معالم رآها على الأرض فوصف لهم بيت المقدس، والقبيلة التي رآها مسافرة ومتى ستصل، وأن بها جملاً صفته كذا وكذا، فهذه رحلة أرضية من الممكن أنْ يُقام عليها دليل.