فكأن الله تعالى أراد أنْ يعدهم للسياحة في الأرض بهدي الله لخلق الله فلم يرتبطوا بشيء، ثم بعث فيهم رسولَ الله فجعل من العبيد سادة، ومن رعاة الشاة قادة ومنارات للأمم كلها. إذن: كانت الأمة العربية مُعدَّة لساناً وأمية وبدوية لأنْ تقودَ العالم المتحضر ليعرف الجميع أن ما جاء به محمد ليس من عند البشر، إنما من عند الله.
نعود إلى مسألة الحروف المقطعة، فنقول: قد تأتي هذه الحروف على حرف واحد مثل (ق، ص) وعلى حرفين مثل (طس، حم) وعلى ثلاثة أحرف مثل (طسم، الم) وعلى أربعة أحرف مثل: (المص، المر) وعلى خمسة أحرف مثل: (كهيعص) إذن: ليس لها نسق واحد.
وحين نتأمل مجموع هذه الحروف نجده أربعة عشر حرفاً يعني نصف حروف الهجاء الثمانية والعشرين، وكونه يأتي بالنصف بالذات يعني أنها مسألة مقصودة لم تأتِ هكذا كما اتفق، ودليل هذه الحروف الأربعة عشر تصرفتْ تصرفاً يوحي بأن لها ملحظاً وحكمة ولم تأتِ اعتباطاً، فهذه الحروف الثمانية والعشرون منها تسعة حروف من أول ألف باء إلى حرف الذال لم يأخذ منها في الحروف المقطعة إلا حرفين هما الألف والحاء وترك الباقين.
وهي سبعة أحرف.
ثم تأمل التسعة الأحرف الأخيرة تجد أن الحق سبحانه أخذ منها سبعة أحرف وترك حرفين على عكس الأولى فأخذ منها: القاف والكاف واللام والميم والنون والهاء والياء وترك الفاء والواو. هذه ثمانية عشر حرفاً، يبقى العشرة الأحرف في الوسط، وتبدأ من الراء إلى الغين.
ونلحظ في هذه الأحرف أنه أخذ الحروف غير المنقوطة وترك الحروف المنقوطة، أخذ الراء وترك الزاي، وأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين.
إذن: هذا النظام في الحروف المقطَّعة دلَّ على أنها ليست على نسق واحد، وأن لها حكمة مقصودة ولم تأتِ هكذا اعتباطاً، وعلينا نحن أن نستنبط هذه الحِكَم ونفهم هذه الدلالات كلّ حسب ما تيسّر له، وما زلنا (نفتش) في هذه الحروف لعلنا نصل.
لكن كونك تبحث عن الحكمة فهذا اجتهاد محمود، ولك أنْ تريح عقلك وتأخذها من الله كما هي كما تأخذ المفتاح مثلاً ممن صنع الطبلة، فلا يعنيك أن يكون بسنَّة واحدة أو اثنتين أو ثلاثة أو أربعة، المهم أن يفتح لك، ويكون سرّ المفتاح مع مَنْ صنعه.
لكن للعقل أنْ يأنس بأشياء، كيف؟