ومن هذه الحروف تتكوَّن الكلمات، ومن الكلمات تتكوَّن الجمل والعبارات، والعبارات تكوِّن الأسلوب والأداء المتميز الجذاب الذي يستميل الأذن ويؤثر في النفس، ومن هنا تأتي بلاغة الكلام وفصاحته حين يكون موافقاً لقواعد اللغة، فإذا كانت الحروف العربية والكلمات هي هي في القرآن، فبمَ تميَّز عن كلام العرب؟ قالوا: تميَّز بنسيجه الخاص، وأن الذي تكلم به هو الله سبحانه.
وسبق أن قلنا: إننا إذا أردنا أن نختبر جماعة من النساجين في جودة النسيج ورقته لا يصح أنْ نعطي أحدهم خيوط الصوف والآخر القطن والآخر الحرير، لأن المادة الخام مختلفة فلا نستطيع تمييز الأجود، بل لابد أن تكون المادة واحدة ليتم التمييز.
فمعنى {حما * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 1 - 2] أو
{حما * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الدخان: 2] أو
{الاما * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ..} [البقرة: 1 - 2] أي: من هذه الحروف تكوَّن القرآن وأعطى سر الإعجاز والتحدي، لأن الله تعالى هو الذي نطق به وبلَّغه رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو رسول أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة.
لذلك نطق بالقرآن كما أوحى إليه لم يُغيِّر فيه حرفاً واحداً؛ لذلك كانت الأمية عيباً وقُبْحاً إلا في رسول الله كانت شرفاً وميزة، وكأنه يقول بأميته: أنا لم أتعلم من أحد شيئاً، وكل ثقافتي من ربي.
كذلك كانت الأمة كلها أمة أمية مُتبدِّية لا تعرف الحضارة ولا يحكمها قانون عام، ولو كانت أمةُ العرب حينها أمةً متحضرة لقالوا عن الإسلام أنه وَثْبة حضارية، لكن جاء الإسلام في جزيرة العرب وهم أمة بدوية ليس لها قانون ولا دستور حكمها إلا قانون القبيلة وعصبيتها، الحاكم فيها شيخ القبيلة، بيوتهم على ظهر جمالهم أنَّى وجدوا الكلأ نزلوا وضربوا خيامهم، وأنَّى وجدوا الماء حلوا بجواره، فهم غير مرتبطين بوطن ولا مكان.
ناهيك عَمَّا كان بينهم من صراع قبلي وحروب تنشب على أيسر الأسباب، وتعرفون مثلاً حرب داحس والغبراء التي استمرت بينهم أربعين سنة؛ لذلك لما أراد رسول الله أن يكون للدولة الوليدة جيش ما فتح مدرسة لتعليم فنون القتال والحرب لأنه في أمة تجيد هذه الفنون إجادةً تامة، والعربي بطبعه مستعدّ للحرب كلما سمع هَيْعة طار إليها.
إذن: فكيف لمثل هذه الأمة أن تقود العالم كله أن تفتح بلاد الدنيا، وهي بهذا الوصف؟