الذي جاء بالصدق وصدق به هو محمَّد - صلى الله عليه وسلم - كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس، والمؤمنون داخلون بحكم التبعية له فهو إمامهم، ولذلك أخبر عنه بقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} . ومثل ذلك مثل دخول الجند في الأمير بالتبعية في قولك: نزل الأمير بموضع كذا، أي: نزل وتبعه جنوده، وقيل: هو على تقدير: والفريق الذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون، وحمل بعضهم الموصول على الجنس، والمراد به حينئذ الرسول والمؤمنون، وأُيد هذا الرأى بقراءَة ابن مسعود.
{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} :
والمعنى: ومحمد الذي جاء بالقرآن الحق، وصدق به هو ومن آمن معه - أولئك الموصوفون بما ذكر - هم المتقون أي: الذين وقوا أنفسهم من الشرك ومن مثوى المشركين.
34 - {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} :
هذه الآية بيان لما يستحقه المصدقون المتقون من الكرامة والمنزلة، أي: لهؤلاء المتقين المصدِّقين لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم ما يشاءون عند ربهم - من تكفير السيئات، والأمن من الفزع أكبر وسائر أهوال يوم القيامة، ومن خيرات الجنَّة ونعيمها، وطيب المقام فيها بعد دخولها، إلى جانب ما نالوه في الدنيا من مختلف أنواع النعم.
{ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} أي: ذلك الذي ذكر من حصول ما يشاءُون في الدنيا والآخرة جزاءُ المحسنين الذين أخلصوا إيمانهم وأحسنوا أعمالهم.
ووضع المحسنين موضع ضميرهم للإشادة بحسن أعمالهم، وإبراز فضلهم.
35 - {لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} :
قول الله تعالى: {لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ ... الآية} متعلق بمضمون ما قبله.
والمعنى: وعدهم الله ما يشاءُونه من دفع المضار، وقيل المسارِّ، وحسن العاقبة، ليكفِّر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الأعمال التي عملوها وخافوا عقابها وليجزيهم أَكرم جزاء، ويثيبهم أوفى ثواب بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات، حيث يرفع درجة الحسن من أعمالهم إلى درجة أحسنها، ويثيبهم عليه ثواب أحسنها.