وقيل إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله وأرشد إلى ما شرعه لعباده، واختار هذا ابن جرير وهو الذي اختاره من هذه الأقوال، ويؤيده قراءة ابن مسعود، والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به، وقرئ صدق به بالتخفيف، أي صدق به الناس، قال ابن عباس الذي جاء بالصدق يعني بلا إله إلا الله وصدق به يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل الذي جاء بالصدق هو جبريل جاء بالقرآن وصدق به محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل الذي جاء بالصدق الأنبياء وصدق به الأتباع والكل صحيح.
قالوا والوجه في العربية أن يكون جاء وصدق لفاعل واحد، لأن التغاير يستدعي إضمار الذي وذا غير جائز وإضمار الفاعل من غير تقدم الذكر وذا بعيد. ولفظ الذي كما وقع في قراءة الجمهور وإن كان مفرداً فمعناه الجمع
لأنه يراد به الجنس كما يفيده قوله (أولئك هم المتقون) أي المتصفون بالتقوى التي هي عنوان النجاة، قال ابن عباس: يعني اتقوا الشرك: ثم ذكر سبحانه ما لهؤلاء الصادقين المصدقين في الآخرة فقال:
(لهم ما يشاؤون عند ربهم) أي لهم كل ما يشاؤونه من رفع الدرجات، ودفع المضرات، وتكفير السيئات، وجلب المنافع، وفي هذا ترغيب عظيم وتشويق بالغ (ذلك) أي ما تقدم ذكره من جزائهم، وهو مبتدأ وخبره (جزاء المحسنين) أي الذين أحسنوا في أعمالهم، وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،"إن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك"، ثم بين سبحانه ما هو الغاية مما لهم عند ربهم فقال: