وقوله: {إِنِّي عَامِلٌ} [الزمر: 39] يعني: أنتم اعملوا على مكانتكم واستطاعتكم في العناد والاضطهاد والإيذاء، فأنا عامل على مكانتي من الدعوة والنُّصْح لكم والحرص على هدايتكم، فهذه رسالتي ولن أتخلَّى عنها، وسوف أبالغ في نَشْرها وأتحمل اضطهادكم لي ولأصحابي، ولن يُثنيني شيء عن مرادي.
وقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الزمر: 39] المعلوم هنا: {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} [الزمر: 40] أي: في الدنيا {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [الزمر: 40] أي: في الآخرة، وتأمل هنا كلمة سوف التي تدل على الاستقبال، فلم يَقُلْ حالاً الآن، لأن الإسلام بدأ غريباً وانتشر أول ما انتشر بين الضعفاء والعبيد الذين اضطهدوا وماتوا وأُوذُوا وأُخرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيل دعوة الحق.
فأراد الحق سبحانه أن يُمحِّصَ أهل الإيمان الذين يحملون هذه الدعوة، وأنْ يُميز منهم ضعافَ العقيدة، وينفي عنهم أهل الخور والنفاق الذين لا يصلحون لحمل هذه الرسالة، لذلك كان الوحي كل فترة ينزل على رسول الله بأمر عزيز، وكلما نزل أمر من هذه الأمور نفى بعضهم حتى لم يَبْقَ حول رسول الله إلا صِحَاح الإيمان أقوياء العقيدة.
وفي هذه الآية تهديدٌ من رسول الله للقوم المكذِّبين بأحداث سوف تأتي، هذا التهديد دليلٌ على ثقته صلى الله عليه وسلم بأن مَنْ أوحى إليه بهذا التهديد قادرٌ على أنْ يُبرزه كما أخبر به، وإلا لما قاله رسول الله، لأن الزمن سيكشف صدق هذا التهديد أو عدم صدقه.
كذلك الأمر في الوعد يخبر به رسول الله قبل أوانه، واقرأ هذا الوعد مثلاً:
{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] هذا وَعْد من الله للمؤمنين جاء في أشد وأحلك الظروف وهم مضطهدون لا يستطيعون حمايةَ أنفسهم، لذلك لما نزلتْ هذه الآية قال عمر رضي الله عنه: أيّ جمع هذا ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ فلما رآها في بدر قال: صدق ربي وصدق رسوله، وهذا الوعد لا يطعن في الدعوة إنما يريد أنْ يؤكدها.
إذن: صِدْق في الوعد، وصدق في الوعيد.
وقلنا: إن صدق الرسول في أمور تتعلق بأمته شيء، وصدقه فيما يتعلق بذاته شيء آخر، صدقه فيما يتعلق بذاته آكد، وذكرنا قصة المرأة التي أسلمتْ حينما قرأتْ تفسير قوله تعالى لرسوله:
{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}