فإذا اتسع بك هذا المكان وصارتْ لك سلطة على مكان أوسع منه لك فيه سلطان وأمر ونهي فهذه مكانة، فيقال لمن اتَّسع جاهه وسلطانه: له مكانة. فالتاء الزائدة هنا يسمونها تاء المبالغة. كما نقول في المبالغة في العلم عالم وعلاَّم وعلاَّمة. فكلمة علاَّمة هي قمة العلم وتُقال لمن بلغ في مجاله مبلغاً بحيث لا يخفى عليه منه شيء.
فإنْ قلتَ: فلماذا وصف الحق نفسه سبحانه بعلاَّم، ولم يُوصَف بعلامة؟ نقول: لأن علم الله تعالى لا تفاوتَ فيه، ليس فيه جزئي وكلي، فلا يُوصف الحق سبحانه بهذه الصفة.
ومن المكانة قوله تعالى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام:
{وَكَذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} [يوسف: 56] أي: لم نجعل له مكاناً، إنما جعلنا له مكانة وسلطاناً واسعاً ينقله هنا وهناك حيث يشاء، والإنسأن يكون له مكان فتأتي قوة تُمكِّنه في المكان، كما في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وقد يكون له المكان فتأتي قوة فتُزيله عنه كما أخذني ورماني في زنزانة.
وسبق أنْ قلنا: إن في اللغة همزة تسمى همزة الإزالة، إذا دخلتْ على فعل تزيله، كما تقول: أعجم الكلام، يعني: أزال عُجْمته وأبان معناه، ومن ذلك قول رسول الله في مناجاته لربه:"لك العُتْبى حتى ترضى"يعني: إن كان حصل منه شيء يغضبك فأنا أزيل عتابك عليَّ حتى أبلغ رضاك عني. ونقول: عتب فلانٌ على فلان فأعتبه يعني: أزال عتابه بأنْ يعتذر له أو يصالحه، لأن العتب لوْم على شيء ما كان يصح بين المحبين؛ ومن ذلك قوله تعالى في الكلمة التي معنا (المكانة) :
{وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 71] .
فمعنى (أمكن منهم) يعني: أزال مكانهم، ونقول: فلان تمكن من فلان. يعني: قدر عليه وأزاله عن مكانه أو مكانته.
إذن: فكلمة المكانة هي ما لك عليه سلطانٌ وولاية تُعينك على مرادك، فالمكان إذا بالغتَ فيه فهو مكانة والتاء للمبالغة، وتأتي أيضاً للجاه ينبسط على ما لا يدخل في مِلْككٍ تصرفاً، وإنما يدخل في ملكك مهابة؛ لذلك لما قُتِل مالك قالوا: مالك كان يحمي مواقع السحاب. يعني: أينما تمرّ السَحابة وتمطر فمطرها يحميه مالك، بحيث لا يتعدى عليه أحد، وما كان هذا إلا لمكانته في القوم فحمى مواقع السحاب في غير بلاده.