الجواب أن يقال: إن كل واحدة من الآيتين تقدم فيها ما اقتضى حمل هذين المختلفين عليه، أعني: «الذي» و «ما» ، وهما إذا كانتا موصولتين بمعنى، إلا في تصور «ما» عما يتبع له «الذي» لأنك إذا قلت: رأيت ما عندك، لم يدخل تحتها المميزون، وإذا قلت: رأيت الذي عندك، دخل، فإنه يصلح للمميزين والبهائم والجماد، ثم إنه يحسن حذف المبتدأ من صلة «الذي» إذا كان ضميرها، كقوله في قراءة من قرأ: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} والمعنى: على الذي هو أحسن، وكما جاء: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، ولا يحسن ذلك في «ما» ، ولا في «من» لو قلت:
رأيت ما عامر، تريد: ما هو عامر، ورأيت من هو عاقل، تريد: من هو عاقل، لم يحسن كحسنه في صلة «الذي» ، لمزية «الذي» على «من» و «ما» في اللفظ والتصرف، ولوقوعها على الجنس، كقوله تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وقوله في سورة الزمر: {أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} و {بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}
إنما هو للبناء على ما تقدم وهو قوله: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} فافتتحت الآية التي قبلها بالذي، ووصلت بفعل تعلق به قوله: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} وقصد جنس عملهم السيئ وجنس عملهم الحسن، فكان استعمال «الذي» في هذا المكان أولى، ليلتئم اللفظان المتعلق أحدهما بالآخر كما التأم معناهما.