بعد أن بيّن الله عزّ وجل مواقف الكافرين المخلّة بالتوحيد، وردّها، ذكّر في الأربع الآيات السابقة بكتابه الذي يجب أن يؤمنوا به، وذكّر هؤلاء الكافرين بأنهم من قبل كانوا يتمنّون أن ينزل عليهم ذكر، وها هو قد نزل، وكان المفروض أن يؤمنوا ويصححوا تصوراتهم وأفكارهم، ويخلصوا لله العبادة والقول والاعتقاد، وإذا بهم قد كفروا بهذا القرآن، وبهذا تكون السورة قد أقامت الحجة على وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر، والكتب والرسل والملائكة والقدر، وأعطتنا تصورا صحيحا عن أركان الإيمان كلها، وعن صلة كل ركن من الأركان بقضية التوحيد، وبيّنت لنا التصورات الخاطئة في أي قضية من هذه القضايا، وأن كل تصور خاطئ ينعكس خطؤه على موضوع التوحيد بالذات، فإذا استقرت هذه المعاني كلها تأتي الآن مجموعة هي خاتمة المقطع وخاتمة السورة، فيها التبشير والإنذار، وفيها التنزيه لله رب العالمين، وفيها إشارة إلى موضوع القدر.
تفسير المجموعة الخامسة من المقطع الثاني
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا أي في اللوح المحفوظ لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ثم فسّر الكلمة بقوله
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ أي في الدنيا والآخرة، وقد تقدّم بيان نصرتهم على من كذّبهم وخالفهم
وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ بأن تكون لهم العاقبة قال النسفي: (والمراد الموعد بعلوّهم على عدوهم في مقام الحجاج، وملاحم القتال في الدنيا، وعلوّهم عليهم في الآخرة، وعن الحسن ما غلب نبي في حرب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في العقبى، والحاصل أن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه الظفر والنصرة، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة والعبرة للغالب) .
وإذا كان الأمر كذلك
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ أي فأعرض عنهم إلى مدة يسيرة أي اصبر على أذاهم لك، وانتظر إلى وقت مؤجّل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، وقد كان ذلك في بدر، وفتح مكة، وغيرها