قال القرظي: فذكرت ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة ، إذ كنت معه بالشام ، فقال لي عمر: إنّ هذا الشيء ما كنت أنظر فيه ، وإني لأراه كما قلت . ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام ، وكان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه ، وكان يرى أنه من علماء اليهود ، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك وأنا عنده فقال: أيُّ ابني إبراهيم أُمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل . ثم قال: والله يا أمير المؤمنين إنّ اليهود لتعلم ذلك ولكنهم ليحسدونكم معشر العرب على أن يكون أنّ أباكم الذي كان من أمر الله سبحانه وتعالى فيه والفضل الذي ذكره الله سبحانه منه لصبره على ما أُمر به ، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق ؛ لأن إسحاق أبوهم.
واحتجوا أيضاً بأن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج ، قال الشعبي: رأيتُ قرني الكبش منوطين بالكعبة ، وكان القرنان ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم ، فلم يزاحمهم على ذلك ولد إسحاق وهم الروم ، وكانوا أكبر وأعزّ وأمنع من العرب: وهذا أدل دليل على أن الذبيح إسماعيل.
وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال لي: يا أصمع أين ذهب عنك عقلك؟ ومتى كان إسحاق عليه السلام بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة ، وهو الذي بنى البيت مع أبيه إبراهيم (عليهما السلام) ، كما قال الله سبحانه {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127] ، والمنحر بمكة لا شكّ فيه.
وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن المنذر الضرير يقول: سمعت أبا محمد الزنجاني المؤدّب يقول: سُئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد:
إنّ الذبيح هُديت إسماعيلُ ... نطق الكتاب بذاك والتنزيلُ
شرفٌ به خَصّ الإلهُ نبيَّنا ... وأتى به التفسير والتأويلُ
إن كنت أمّته فلا تنكر له ... شرفاً به قد خصّه التفضيلُ