والتقدير: وفاتح الرحمة للناس وممسكها عنهم فلا يقدر أحد على إمساك ما فتحه ولا على فتح ما أمسكه.
و {ما} شرطية ، أي اسم فيه معنى الشرط.
وأصلها اسم موصول ضُمِّن معنى الشرط.
فانقلبت صلته إلى جملة شرطية وانقلبت جملة الخبر جواباً واقترنت بالفاء لذلك ، فأصل {ما} الشرطية هو الموصولة.
ومحل {ما} الابتداء وجواب الشرط أغنى عن الخبر.
و {من رحمة} بيان لإِبهام {ما} والرابط محذوف لأنه ضمير منصوب.
والفتح: تمثيلية لإِعطاء الرحمة إذ هي من النفائس التي تشبه المدخرات المتنافس فيها فكانت حالة إعطاء الله الرحمة شبيهة بحالة فتح الخزائن للعطاء ، فأشير إلى هذا التمثيل بفعل الفتح ، وبيانُه بقوله: {من رحمة} قرينة الاستعارة التمثيلية.
والإِمساك حقيقته: أخذ الشيء باليد مع الشدّ عليه بها لئلا يسقط أو ينفلت ، وهو يتعدّى بنفسه ، أو هو هنا مجاز عن الحبس والمنع ولذلك قوبل به الفتح.
وأما قولهم: أمسك بكذا ، فالباء إمّا لتوكيد لصوق المفعول بفعله كقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ، وإمّا لتضمينه معنى الاعتصام كقوله تعالى: {فقد استمسك بالعروة الوثقى} [لقمان: 22] .
وقد أوهم في"القاموس"و"اللسان"و"التاج"أنه لا يتعدى بنفسه.
فقوله هنا: {وما يمسك} حذف مفعوله لدلالة قوله: {ما يفتح الله للناس من رحمة} عليه.
والتقدير: وما يمسكه من رحمة ، ولم يُذكر له بيان استغناءً ببيانه من فعل.
والإِرسال: ضد الإِمساك ، وتعدية الإِرسال باللام للتقوية لأن العامل هنا فرع في العمل.
و {من بعده} بمعنى: من دونه كقوله تعالى: {فمن يهديه من بعد الله} [الجاثية: 23] {فبأي حديث بعد الله} [الجاثية: 6] ، أي فلا مرسل له دون الله ، أي لا يقدر أحد على إبطال ما أراد الله من إعطاء أو منع والله يحكم لا معقب لحكمه.