فكأن الحق سبحانه يقول لرسوله: اطمئن ، فمهما صُودِمتَ من خصومك ، ومهما تألَّبوا عليك ، فربُّك من ورائك لم يتخلى عنك ، وهؤلاء الخصوم خَلْقي ، وأنا معطيهم الطاقات المفكرة والطاقات العاقلة والطاقات المتآمرة ، وسوف أنصرك عليهم في كل مرحلة من مراحل كيدهم لك .
لذلك لم يقووا عليك مناظرة ولا جدلاً ، ولم يقدروا عليك حين بيَّتوا لك ليضربوك ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمك بين القبائل ، وخرجتَ من بينهم سالماً تحثو التراب على رؤوسهم ، حتى لما استعانوا عليك بالسحر وبالجن أخبرتُك بما يدبرون لك ، ولم أُسِلْمْك لكيدهم .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَتَوَكَّلْ على الله ...} .
يعني: إياك أن تظن أن واحداً من هؤلاء سوف يساعدك في أمرك ، أو أنه يملك لك ضراً ولا نفعاً ، فلا تُحسِن الظن بأوامرهم لا بنواهيهم ، ولا تتوكل عليهم في شيء ، إنما توكل على الله .
ولا بُدَّ أن نُفرق هنا بين التوكل والتواكل: التوكل أن تكون عاجزاً في شيء ، فتذهب إلى مَنْ هو أقوى منك فيه ، وتعتمد عليه في أن يقضيه لك ، شريطة أن تستنفد فيه الأسباب التي خلقها الله لك ، فالتوكل إذن أن تعمل الجوارح وتتوكل القلوب .
وقد ضرب لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً توضيحياً في هذه المسألة بالطير ، فقال:"لو توكلتم على الله حقَّ توكله ، لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصاً وتروح بطاناً".
أما التواكل فأنْ ترفضَ الأسباب التي قدمها الله لك ، وتقعد عن الأَخْذ بها ، وتقول: توكلت على الله ، لا إنما استنفد الأسباب الموجودة لك من ربك ، فإنْ عزَّتْ عليك الأسباب فلا تيأس ؛ لأن لك رباً أقوى من الأسباب ؛ لأنه سبحانه خالق الأسباب .
لذلك ، كثير من الناس يقولون: دعوتُ الله فلم يستجب لي ، نقول: نعم صدقت ، وصدق الله معك ؛ لأن الله تعالى أعطاك الأسباب فأهملتها ، فساعة تستنفد أسبابك ، فثِقْ أن ربك سيستجيب لك حين تلجأ إليه .