لذلك لما طلب سيدنا رسول الله من القوم أنْ يقولوا: لا إله إلا الله قالتها القلة المؤمنة ، وامتنعت الكثرة الكافرة ، لماذا؟ لأنهم يعرفون معناها ، وإلا لَقَالوها من بداية الأمر ، وانتهت المواجهة بين الإيمان والكفر ، فعدم نُطْقهم بها دليل على فهمهم لها ولمطلوباتها .
أما الجاحد فعلى النقيض من المنافق ، فهو مقتنع في نفسه ، لكنه لا يقدر على النطق بما يقتنع به من الحق ؛ لذلك يقول تعالى عنهم: {وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ...} [النمل: 14]
ولما طال الجدل بينهم وبين رسول الله قالوا: {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] بدل أن يقولوا: فاهدنا إليه .
وبعد أنْ قالوا في القرآن أنه سحر ، وأنه أساطير الأولين . . الخ زهق باطلهم ، وكشف الله جحودهم ، حين حكى قولهم: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]
إذن: فالقرآن لا غبارَ عليه وهو حق ، لولا أنه نزل على هذا الرجل بالذات ، ولو نزل على عظيم من عظماء مكة أو المدينة لآمنَّا به ، وهكذا أثبتوا إيمانهم بالقرآن ، والقرآن يستوجب أنْ يؤمنوا أيضاً بمحمد .
ومعلوم أن الإسلام صاح صيحته الأولى في أُذن مَنْ؟ في أذن كفار مكة وسادة قريش والجزيرة كلها ، وقد كانت لهم الكلمة المسموعة والمنزلة الرفيعة بين العرب جميعاً لقيامهم على خدمة الحجيج ، ووقوع بلادهم على طرق التجارة بين الشمال والجنوب .
إذن: الإسلام لم يستضعف جماعة ليعلن فيهم صيحته الأولى ، إنما اختار السادة ، لكن الله تعالى لم يشأ أنْ ينتصر الإسلام في مكة ؛ لأنه لو انتصر فيها لكان من الممكن أن يقال: قوم من قريش تعصبوا لواحد منهم ليسودوا به العالم كما سادوا الجزيرة .