وقوله تعالى: {وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين . .} [الأحزاب: 1] تعني: أنه لا مانع أن تطيع غيرهم من أصحاب الرأي والمشورة من المؤمنين فيما لم يأتكَ فيه أمر من الله ؛ لذلك"نزل سيدنا رسول الله في غزوة بدر على رأَي الصحابي الجليل الحباب بن المنذر لما قال له: يا رسول الله ، أهذا منزلٌ أنزلكه الله ، أم هو الحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بل هو الحرب والمكيدة"، فقال: إذن هذا ليس لك بمنزل ."
وقد أشار سلمان الفارسي على رسول الله بحفر الخندق فأخذ بمشورته ، والقاعدة الشرعية تقول: لا اجتهاد مع النص ، فإذا لم يكُنْ في المسألة نصٌّ فلا مانع من أنْ تطيع المؤمنين الناصحين لك ، المشيرين عليك بالخير .
فالحق سبحانه لم يمنه عن رسوله نُصْح الناصحين ، ولم يحرمه مشورة أهل الرأي .
وقد اختلف الناس حول استشارة الحاكم: أهي ملزمة له أم غير ملزمة؟ وإجابة هذا السؤال في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ...} [آل عمران: 159]
فللحاكم أنْ يسمع المشورة ، وأنْ يقارن بين الآراء ويفاضل بينها ، ثم يكون له وحده القرار النهائي {فَإِذَا عَزَمْتَ ...} [آل عمران: 159] أي: أنت وحدك .
وفي العالم المعاصر نرى الأنظمة إذا احتاجت إلى أَخْذ الآراء في موضوع ما ترجح الجانب الذي به الرئيس ، وهذا لا يصح ، فالآراء تنير للرئيس الطريق ، وتوضح له الصورة ، وله هو القرار الأخير ؛ لأن الحيثية التي انتخبته من خلالها أنك تشهد له بالتفوق ، إذن: فهو الذي يرجح أحد الآراء .
وفَرْق بين المشورة والتفويض ، فحين يُفوِّض رئيس الدولة شخصاً أو هيئة لدراسة أمر من الأمور ، أو اتخاذ قرار ، فهي صاحبة الرأي ، وحين تعرض عليه ما توصلتْ إليه يعطيها الموافقة ؛ لأنه فوَّضها في هذا الأمر ، إذن: التفويض يجيز لك اتخاذ القرار ، أمَّا المشورة فتقف عند عرض الرأي فحسب .