قَوْله تَعَالَى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ}
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: {مُنِيبِينَ} وَقد خَاطب في الِابْتِدَاء وَاحِدًا، وَهُوَ الرَّسُول بقوله: {فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا} ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ، أَن قَوْله: {فأقم وَجهك} أَي: فأقم وَجهك وَأمتك مَعَك منيبين إِلَى الله، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: اتبعُوا الدّين الْقيم منيبين إِلَى الله.
قَوْله تَعَالَى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}
قيل: المُرَاد من الْفساد فِي الْبر هُوَ الجدوبة والقحط، وَالْفساد فِي الْبَحْر قلَّة الْمَطَر.
«فإنْ قيلَ» : وَأي فَسَاد بقلة الْمَطَر فِي الْبَحْر وَالْبر؟
قُلْنَا: أما فِي الْبر فظهور الشدَّة والقحط، وَأما فِي الْبَحْر فقد قَالُوا: إِنَّه إِذا لم يَأْتِ الْمَطَر فِي الْبَحْر عميت دَوَاب الْبَحْر، وَيُقَال: إِذا لم يَأْتِ الْمَطَر فِي الْبَحْر خلت أَجْوَاف الأصداف من اللُّؤْلُؤ، فَإِن الصدف إِذا جَاءَ الْمَطَر يرْتَفع إِلَى وَجه الْبَحْر، وَيفتح فَاه، فَمَا يَقع فِيهِ يصير لؤلؤا.
وَالْقَوْل الثَّالِث فِي الْآيَة - وَهُوَ الْأَظْهر - أَن الْبر هُوَ الْبَوَادِي والمفازة، وَالْبَحْر هُوَ الْقرى والأمصار، وَالْعرب تسمى كل قَرْيَة أَو مصر على مَاء جَار بحرا.
قَوله: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) }
«فإنْ قيلَ» : فَمَا معنى تكْرَار قَوْله: {من قبل} هَاهُنَا، وَأي فَائِدَة فِيهِ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه على طَرِيق التَّأْكِيد وَهُوَ قَول أَكثر أهل النَّحْو، وَالْعرب تفعل كثيرا مثل هَذَا. وَالثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: من قبل: السَّحَاب،"وَمن قبل، إِنْزَال الْمَطَر؛ فأحدهما يرجع إِلَى إِنْزَال الْمَطَر، والآخر يرجع إِلَى إنْشَاء السَّحَاب."
قَوْله تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) }
«فإنْ قيلَ» : الْأَصَم لَا يسمع سَوَاء أقبل أَو أدبر، فأيش معنى هَذَا الْكَلَام؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: إِذا كَانَ مُقبلا إِن لم يسمع يفهم بِالْإِشَارَةِ، وَإِذا كَانَ مُدبرا لم يسمع وَلَا يفهم بِالْإِشَارَةِ. انتهى انتهى {تفسير السمعاني} ...