بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَالِكِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) .
* بِهَذَا نَفَى جَمِيعَ وُجُوهِ حُسْنِ الْعِبَادَةِ عَنِ الْغَيْرِ لِأَنَّ الْأَغْيَارَ إِذَا لَمْ يَصْلُحُوا لِلشَّرِكَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ مِلْكٌ وَلَا مُلْكٌ، فَلَا عَظَمَةَ لَهُمْ حَتَّى يُعْبَدُوا لِعَظَمَتِهِمْ وَلَا يُرْتَجَى مِنْهُمْ مَنْفَعَةٌ لِعَدَمِ مِلْكِهِمْ حَتَّى يُعْبَدُوا لِنَفْعٍ وَلَيْسَ لَهُمْ قُوَّةٌ وَقُدْرَةٌ لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ فَلَا تَخَافُوهُمْ كَمَا تَخَافُونَ أَنْفُسَكُمْ، فَكَيْفَ تَخَافُونَهُمْ خَوْفًا أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِكُمْ بَعْضًا مِنْ بَعْضٍ حَتَّى تَعْبُدُوهُمْ لِلْخَوْفِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أَيْ نُبَيِّنُهَا بِالدَّلَائِلِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ وَالْأَمْثِلَةِ وَالْمُحَاكِيَاتِ الْإِقْنَاعِيَّةِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، يَعْنِي لَا يَخْفَى الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى من لا يكون له عقل.
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) فِيهِ وُجُوهٌ:
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ هَذِهِ تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ عَنِ الْحُزْنِ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنْ قَوْمُهُ فَقَالَ
لِلشَّقَاوَةِ وَمَنْ كُتِبَ شَقِيًّا لَا يَسْعَدُ، وَقِيلَ: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) أَيِ الْوَحْدَانِيَّةُ مُتَرَسِّخَةٌ فِيهِمْ لَا تَغَيُّرَ لَهَا حَتَّى إِنْ سَأَلْتَهُمْ من خلق السماوات وَالْأَرْضَ يَقُولُونَ اللَّهُ، لَكِنَّ الْإِيمَانَ الْفِطْرِيَّ غَيْرُ كَافٍ.