قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب وفي هذه الجماعة فهي بمعناها باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، موجود حكمها بقية الدهر ، . وذلك أن الفتنة من الله تعالى والاختبار باق في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك ، وإذا اعتبر أيضاً كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن ولكن التي تشبه نازلة المؤمنين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر ، وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر إذا كان يعذب في الله تعالى ونظرائه ، وقال الشعبي: سبب الآية ما كلفه المؤمنون من الهجرة ، فهي الفتنة التي لم يتركوا دونها ، لا سيما وقد لحقهم بسببها أن اتبعهم الكفار وردوهم وقاتلوهم ، فقتل من قتل ونجا من نجا ، وقال السدي: نزلت في مسلمين كانوا بمكة وكرهوا الجهاد والقتال حين فرض على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ، و"حسب"، معناه ظن ، و {أن} نصب ب"حسب"وهي والجملة التي بعدها تسد مسد مفعولي"حسب"و {أن} الثانية في موضع نصب على تقدير إسقاط حرف الخفض تقديره"بأن يقولوا"ويحتمل أن يقدر"لأن يقولوا"والمعنى في الباء واللام مختلف وذلك أنه في الباء كما تقول تركت زيداً بحاله ، وهي في اللام بمعنى من أجل أن حسبوا أن إيمانهم علة للترك ، و {الذين من قبلهم} ، يريد بهم المؤمنين مع الأنبياء في سالف الدهر ، وقرأ الجمهور"فليَعلمن"بفتح الياء واللام الثانية ، ومعنى ذلك ليظهرن عليهم ويوجدن منهم ما علمه أزلاً ، وذلك أن علمه بذلك قديم وإنما هذه عبارة عن الإيجاد بالحالة التي تضمنها العلم القديم ، والصدق والكذب على بابهما أي من صدق فعله قوله ومن كذبه ونظير هذا قول زهير: [البسيط]
ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا