وأما التسلية عن طريق قصص الأنبياء السابقين، والتسرية عن قلبه - صلى الله عليه وسلم - ودعوته إلى الاقتداء بهم في صبرهم .. فكل ذلك نراه في آيات كثيرة منها قوله سبحانه: [ {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ"52"أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ"53"فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ"54"وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ"55"} (سورة الذاريات: الآيات من 52: 55) ]
وقد جاءت هذه الآيات بعد حديث مركز عن جانب من قصة إبراهيم وموسى وهود وصالح ونوح عليهم الصلاة والسلام.
والمعنى: نحن نخبرك يا محمد بأنه ما أتى الأقوام الذين قبل قومك من نبي أو رسول، يدعوهم إلى عبادتنا وطاعتنا، إلا وقالوا له كما قال قومك في شأنك هذا الذي يدعي الرسالة أو النبوة ساحر أو مجنون.
والمقصود بالآية الكريمة: تسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من مشركي قريش، إذ بين له سبحانه أن ما أصابه قد أصاب الرسل من قبله، والمصيبة إذا عمت خفت.
ثم أضاف سبحانه إلى هذه التسلية تسلية أخرى فقال:"أتواصوا به"؟
أي: أوصي السابقون اللاحقين أن يقولوا لكل رسول يأتيهم من ربهم، أنت أيها الرسول ساحر أو مجنون!
وقوله سبحانه:"بل هم قوم طاغون": إضراب عن تواصيهم إضراب إبطال، لأنهم لم يجمعهم زمان واحد أو مكان واحد، حتى يوصي بعضهم
بعضا، وإنما الذي جمعهم تشابه القلوب، والالتقاء على الكفر والفسوق والعصيان.
أي: هل وصى بعضهم بعضا بهذا القول القبيح؟ كلا لم يوص بعضهم بعضا، لأنهم لم يتلاقوا، وإنما تشابهت قلوبهم، فاتحدت ألسنتهم في هذا القول المنكر.
ثم تسلية ثالثة نراها في قوله تعالى:"فتول عنهم فما أنت بملوم".
أي: فأعرض عنهم أيها الرسول الكريم وسر في طريقك دون مبالاة بمكرهم وسفاهتهم، فما أنت بملوم على الإعراض عنهم، وما أنت بمعاقب منا على ترك مجادلتهم ..
وداود على التذكير والتبشير والإنذار مهما تقول المتقولون، فإن التذكير بما أوحيناه إليك من هدايات سامية، وآداب حكيمة .. ينفع المؤمنين.