وبعد أن هدد سبحانه بذكر إهلاك من قبله من أضرابه في الدنيا أردف ذلك تهديد المجرمين كافة بما هو أشد من عذاب الآخرة، وهو عدم سؤالهم، إذ إنه يؤذن بشدة الغضب عليهم، والإيقاع بهم لا محالة؛ فقال: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} عند إهلاكهم، لئلا يشتغلوا بالاعتذار، كما قال تعالى: {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) } ؛ أي: لا يسألهم الله عن كيفية ذنوبهم وكميتها إذا أراد أن يعاقبهم، اهـ"رازي".
أي: إنه تعالى حين أراد عقابهم لا يسألهم عن مقدار ذنوبهم، ولا عن كنهها؛ لأنه عليم بها، ولا يعاتبهم عليها، كما قال تعالى: {فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} ، وقال: {وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} ، ونحو الآية قوله: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) } وهذا لا يمنع أنهم يسألون سؤال تقريع وإهانة، كما جاء في قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) } .
وقرأ الجمهور: {وَلَا يُسْأَلُ} مبنيًا للمفعول، و {الْمُجْرِمُونَ} رُفع به، وهو متصل بما قبله، قاله محمد بن كعب، والضمير في {ذُنُوبِهِمُ} عائد على من أُهلك من القرون؛ أي: لا يسأل غيرهم ممن أجرم، ولا ممن لم يجرم عمن أهلكه الله، بل كل نفس بما كسبت رهينة، وقيل: هو مستأنف مسوق لبيان حال يوم القيامة، قال قتادة: لا يُسألون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها؛ لأنهم يدخلون النار بغير حساب، وقال قتادة أيضًا ومجاهد: لا تسألهم الملائكة عن ذنوبهم، لأنهم يعرفونهم بسيماهم من السواد والتشويه، كقوله: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} .
وقرأ أبو جعفر في روايته: {ولا تسأل} بالتاء والجزم {المجرمين} بالنصب، وقرأ ابن سيرين وأبو العالية كذلك في: {ولا تسأل} على النهي للمخاطب، وكان ابن أبي إسحاق لا يجوِّز ذلك إلا أن يكون المجرمين بالياء في محل النصب بوقوع الفعل عليه، قال صاحب"اللوامح": فالظاهر ما قاله، ولم يبلغني في نصب المجرمين شيء، فإن تركناه على رفعه فله وجهان: