ثم أنت لا تستطيع العلو إلا بالاعتماد على قوة أعلى منك تسندك ، وجرِّب بنفسك وحاول أن تقفز إلى أعلى كلاعب السيرك ، ثم أمسك نفسك في هذا العلو ، وطبعاً لن تستطيع ، لماذا؟ لأنه لا ذاتية لك في العُلو .
وما دام الأمر كذلك ، فإياك أنْ تعلو ؛ لأنك بعلوِّك تُحْفِظُ الآخرين ؛ فإنْ حصل لك العكس شمتوا فيك ، وأيضاً لأن الإنسان لا يعلو في بيئة ولا في مكان إلا إذا رأى كل مَنْ حوله دونه ، وحين ترى أن كل الناس دونك فأنت لم تتنبه إلى أسرار فَضلْ الله في خَلْقه .
ولو تأملت لوجدتَ في كل منهم خصلة ليست عندك ، ولو قدَّرت أن الناس جميعاً عيالُ الله وخَلْقه ، وليس منا مَنْ بينه وبين الله نسب أو قرابة ونحن جميعاً عنده تعالى سواء ، وقد وزّع المواهب بيننا جميعاً بالتساوي ، وبالتالي لا يمتاز أحد على أحد ، فلم التعالي إذن؟ ولِمَ الكبر؟
وأيضاً الذي يتعالى لا يتعالى إلا في غفلة منه عن ملاحظة كبرياء ربه ، وإلا فالذي يستحضر عظمة ربه وكبرياءه لا بُدَّ له أنْ يتواضع ، وأنْ يتضاءل أمام كبريائه تعالى ، وأنْ يستحي أن يتكبر على خَلْقه .
والنبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا كيف نحترم الآخرين؟ وكيف نتواضع لهم؟ فلما دخل عليه الصحابي الجليل عدي بن حاتم قام عن كرامة مجلسه له ، يعني: إن كانْ جالساً على (وسادة مثلاً) يقوم عنها ، ويعطيها لصاحبه ليجلس هو عليها .
وهكذا يحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على المساواة في المجلس ؛ لذلك قال عدي بن حاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أنك لا تريد عُلُواً في الأرض ، وأشهد ألا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأسلم .
وعجيب ما نراه مثلاً في مساجدنا ، وهي بيوت الله وأَوْلَى الأماكن بهذه المساواة ، فتراهم إذا دخل أحد أصحاب النفوذ يفرشون له مُصلّى ليصلي عليها ، مع أن المسجد مفروش ، وعلى أعلى مستوى من النظافة ، فلماذا هذا التمييز؟