المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام، وهي الموجبة للاهتداء كما قال سبحانه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) } [القصص: 56] .
المرتبة الرابعة: الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار، كما قال سبحانه عن أهل الجنة: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) } [الأعراف: 43] .
وقال سبحانه عن أهل النار: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) } [الصافات: 22] .
وأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً، وأفرض الجهاد: جهاد النفس .. وجهاد
الهوى .. وجهاد الشيطان .. وجهاد الدنيا.
فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك هذا الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد.
ولا يتمكن العبد من جهاد عدوه في الظاهر إلا إذا جاهد هذه الأعداء في الباطن، فمن نُصر عليها نُصر على عدوه، ومن نُصرت عليه نُصر عليه عدوه.
وقد علق سبحانه الهداية بالجهاد الذي لا ينقطع كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) } [العنكبوت: 69] .
والواجب على الأمة ووظيفتها دعوة الناس إلى الله، وتعليمهم أحكام دينهم، ولكن لا يلزم من ذلك حصول الهداية، فإن ذلك وغيره بيد الله، ولا يلزم من العلم بكون الشيء سبباً لمصلحة العبد وسروره أن يقبله، أو يستجيب له، فقد يمنعه مانع من قبوله والعمل بمقتضاه وذلك لأسباب كثيرة، فللهداية موانع أهمها:
الأول: ضعف معرفة العبد وقلة إدراكه.
الثاني: عدم الأهلية، فقد يعرف الإنسان الشيء، لكن المحل غير قابل للتزكية، فإذا كان القلب قاسياً حجرياً لا يقبل التزكية ولا تؤثر فيه النصائح أو كان مريضاً لم ينتفع بكل علم يعلمه.