ونبه على هذا بأنه فصل بقوله تعالى: {تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 63] ثم ختم ذلك كله بالإضراب عن هذا الأسلوب بتذكير نعمتي الأيجاد والإعادة ، فكل نعمة دونهما لتوقف النعم الدنيوية والأخروية عليها ، وعقبه بإجمال يتضمن جميع ما عدده أولاً وزيادة أعني رزقهم من السماء والأرض ، وأدمج في تأخيره أنه دون النعمتين ولهذا بكتهم بطلب البرهان فيما ليس وسجل بكذبهم دلالة على تعلقه بالكل وأن هذه الخاتمة ختام مسكي ، والمعرض عن تشام نفحاته مسكي ، وعن هذا التقرير ظهر وجه الإبدال مكشوف النقاب والحمد لله تعالى المنعم الوهاب اهـ.
وفي"غرة التنزيل"للراغب ما يؤيده ، وقد لخصه الطيبي في"شرح الكشاف"، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه:
{قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله}
بعد ما تحقق تفرده تعالى بالألوهية ببيان اختصاصه بالقدرة الكاملة التامة والرحمة الشاملة العامة عقب بذكر ما لا ينفك عنه ، وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب تكميلاً لما قبله وتمهيداً لما بعده من أمر البعث ، وفي"البحر"قيل: سأل الكفار عن وقت القيامة التي وعدوها الرسول صلى الله عليه وسلم وألحوا عليه عليه الصلاة والسلام فنزل قوله: {قُل لاَّ يَعْلَمُ} الآية ، فمناسبتها على هذا لما قبلها من قوله تعالى: {أَمَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ} [النمل: 64] أتم مناسبة ، والظاهر المتبادر إلى الذهن أن من فاعل يعلم وهو موصول أو موصوف ، والغيب مفعوله ، والاسم الجليل مرفوع على البدلية من {مِنْ} والاستثناء على ما قيل: منقطع تحقيقاً متصل تأويلاً على حدّ ما في قول الراجز:
وبلدة ليس بها أنيس...
إلا اليعافير وإلا العيس