وقد انتهت به هذه الغاية هو وجنوده إلى « واد النّمل » أي قرية من قراه ، حيث يعيش النّمل جماعات ، وفي نظام أشبه بنظام المجتمع الإنسانى! وقد أراد سبحانه وتعالى ، أن يصغّر في عينى سليمان هذا الملك العريض الذي بين يديه ، وأن يكسر من حدّة هذا السلطان المندفع كالشهاب ، لا يمسكه شيء ، ولا يعترض سبيله معترض ، وذلك كى لا يدخل على نفسه شيء من العجب والزهو .. فتقف له النملة هذا الموقف الذي يرى منه سليمان عجبا عاجبا .. فيرى سليمان من النّملة ما لم ير أحد من جنده ، ويسمع منها ، ما لم يسمعه أحد غير النمل الذي يعيش معها .. « يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ » ..
هذا هو صوت النذير ، الذي أنذرت به النملة جماعتها ..
إن الهلاك مقبل على جماعة النمل ، من هذه الحشود الحاشدة ، التي تسير في ركب سليمان .. فلتأخذ الجماعة حذرها ، ولتدخل مساكنها ، وتنجحر في مساربها ، وإلا فالهلاك المحقق! وممن هذا الهلاك؟
من جماعة عالية ، لا تنظر إلى ما تحتها ، ولا تلتفت إلى مواطئ أقدامها ، ولا تشعر بما تصيب أو تقتل ، من تلك الكائنات الضعيفة! وهل يشعر من يسكن القصر ، بما يعانى ساكن الكوخ؟ وكم في دنيا الناس من المستضعفين من تطؤهم أقدم الأقوياء ، دون أن يشعروا بهم ، وهم في طريقهم إلى التمكين لسلطانهم ، والاستزادة من جاههم وقوتهم؟ وكم من مجتمعات بشرية بأسرها جرفها تيار عات من تيارات الطغاة والمستبدّين؟ وكم من مدن عامرة دمّرتها رحى الحروب التي يوقد نارها من يملكون الحطب والوقود؟ وكم؟ وكم؟
إنها حكمة بالغة ، ودرس عظيم ، تلقيه « النملة » - أضأل مخلوقات اللّه ، وأقلها شأنا - على الإنسانية ، فِي أحسن أحوالها ، وأعدل أزمانها ، وأقوى سلطانها!.
ولكن أين من يتعظ ويعتبر؟