ولقد أخذ سليمان العبرة والعظة ..! فحاد بركبه عن وادي النّمل ، وهو يضع ابتسامة على فمه ، ويرسل ضحكة رقيقة واعية من صدره ، ويحرك لسانه بكلمات شاكرة ، ذاكرة فضل اللّه ، ونعمته .. فيقول: « رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ » .. ومن شكر النعمة ، حراستها من أن تكون سلاح بغى وقهر. ومن العمل الصالح ، إرسال هذه النعم في وجوه الخير والإحسان.
إن للنملة سلطانا كسلطان سليمان ، ودولة كدولته ، وجندا كجنده .. ثم إنها تقوم على هذه الدولة وترعاها رعاية الأم لأبنائها ، وإنها لتضع عينها دائما على مواقع الخير ، ترتاده لرعيتها ، وإلى مواطن الشر ، فتدفعها عنها ، وتحذرها منها ..
فهل تجد رعايا سليمان في ظله ، مثل هذه الرعاية التي تجدها جماعة النمل في ظل هذا السلطان الحكيم؟ وهل تنال رعيته مثل هذا العطف والحنو الذي تناله جماعة النمل من ملكتها؟ إن مقاييس الحكمة والرشاد لا تقاس بالكم ولا تحسب بالعدد .. ومتى كانت المعاني كمّا وعددا؟
والعجب أن مشيخة المفسّرين يدعون مثل هذه المعاني الدقيقة ، التي جاءت هذه القصة وأمثالها لها ، من حيث الوقوف على مواقع العبرة والعظة فيها ، ثم يشغلون أنفسهم ، ويشغلون الناس معهم ، بالبحث عن النملة ، وهل هي ذكر أم أنثى ، وعن الموضع الذي كانت فيه مملكتها ، واسم الوادي الذي قامت فيه تلك المملكة .. ثم اسم النملة!! إي واللّه اسم النملة!! حتى لكأنها لا تكون نملة إلا إذا حملت اسما لها ، وحتى لا يكون منها هذا التدبير لمملكتها إلا إذا كانت من ذوات الأسماء!! ثم ما أكثر الأسماء التي تجلب لها من كل واد من أودية الخيال ..