وابن المنذر عن قتادة ، وكم رأينا نملة لها جناحان تطير بهما ، وكون ذلك لا يقتضي عدها من الطير محل نظر وإما لأن فهم ما ذكر وقع له عليه السلام هذه المرة فقط ولم يطرد كفهم أصوات الطير ، وليس في الآية السابقة ولا في الأخبار ما ينفي فهم ما يقصده غير الطير من الحيوانات بدون اطراد ، وقال ابن بحر: إنها نطقت بذلك معجزة لسليمان عليه السلام كما نطق الضب والذراع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال مقاتل: وقد سمع عليه السلام قولها من ثلاثة أميال ، ويلزم على هذا أنها أحست بنزولهم من هذه المسافة.
والسمع من سليمان منها غير بعيد لأن الريح كما جاء في الآثار توصل الصوت إليه أو لأن الله تعالى وهبه إذ ذاك قوة قدسية سمع بها إلا أن إحساس النملة من تلك المسافة بعيد ، والمشهور عند العرب بالإحساس من بعيد القراد حتى ضربوا به المثل.
وأنت تعلم أنه لا ضرر في إنكار صحة هذا الخبر ، وقيل: إنه عليه السلام لم يسمع صوتاً أصلاً وإنما فهم ما في نفس النملة الهاماً من الله تعالى ، وقال الكلبي: أخبره ملك بذلك وإلى أنه لم يسمع صوتاً يشير قول جرير:
لو كنت أوتيت كلام الحكل...
علم سليمان كلام النمل
فإنه أراد بالحكل ما لا يسمع صوته ؛ وقال بعضهم: كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت عنهم مخافة حطمهم فتبعها غيرها وصاحت صيحة تنبهت بها ما بحضرتها من النمل فتبعتها فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك أجروا مجراهم حيث جعلت هي قائلة وما عداها من النمل مقولاً له فيكون الكلام خارج مخرج الاستعارة التمثيلية ، ويجوز أن يكون فيه استعارة مكنية.
وأنت تعلم أنه لا ضرورة تدعو إلى ذلك.