فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده ، فسلّط عليه الحرّ حتى التجأ إلى شجرة مستروحاً إلى ظلّها ، وعندها قرية النمل ، فغلبه النوم ، فلما وجد لذة النوم لدغته النملة فأضجرته ، فدلكهنّ بقدمه فأهلكهنّ ، وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم ، فأراه الله العبرة في ذلك آية: لما لدغتك نملة فكيف أصبت الباقين بعقوبتها يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعالى تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة وبركة ، وشراً ونقمة على العاصي.
وعلى هذا فليس في الحديث ما يدلّ على كراهةٍ ولا حظرٍ في قتل النمل ؛ فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك ، ولا أحد من خلقه أعظم حرمة من المؤمن ، وقد أبيح لك دفعه عنك بقتل وضرب على المقدار ، فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت لك وسلطت عليها ، فإذا آذاك أبيح لك قتله.
وروي عن إبراهيم: ما آذاك من النمل فاقتله.
وقوله:"ألا نملة واحدة"دليل على أن الذي يؤذِي يؤذَى ويقتل ، وكلما كان القتل لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء.
وأطلق له نملة ولم يخص تلك النملة التي لدغت من غيرها ؛ لأنه ليس المراد القصاص ؛ لأنه لو أراده لقال ألا نملتك التي لدغتك ، ولكن قال: ألا نملة مكان نملة ؛ فعم البريء والجاني بذلك ، ليعلم أنه أراد أن ينبهه لمسألته ربّه في عذاب أهل قرية وفيهم المطيع والعاصي.
وقد قيل: إن هذا النبيّ كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه ؛ فلذلك إنما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النمل لا في أصل الإحراق.
ألا ترى قوله:"فهلا نملة واحدة"أي هلا حرقت نملة واحدة.
وهذا بخلاف شرعنا ، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التعذيب بالنار.
وقال:"لا يعذّب بالنار إلا الله"وكذلك أيضاً كان قتل النمل مباحاً في شريعة ذلك النبيّ ؛ فإن الله لم يعتبه على أصل قتل النمل.
وأما شرعنا فقد جاء من حديث ابن عباس وأبي هريرة النهي عن ذلك.