ويقال: رجل نَمِل الأصابع، إذا كان خفيف الأصابع في العمل. وفرسٌ نَمِل القوائم؛ لا يكاد يستقر. والنمل إذا خرجت من قريتها لا تُرى مُستقرة ثابتة، بل تتحرك وتعدُو يمنة ويسرة، وهي كثيرة الحركة.
قال أهل المعاني: ومعرفة النملة سليمان معجزة له ألهمها الله تعالى معرفته حتى عرفت وحَذَّرت النملَ حَطْمَه، والنمل تعرف كثيرًا مما فيه نفعها وضرها؛ فمن ذلك: أنها تكسر الحبة بقطعتين لئلا تنبت، إلا الكُزْبَرَة فإنها تكسرها بأربع قطع؛ لأنها تنبت إذا كُسرت بقطعتين. فمَنْ هداها إلى هذا هو الذي ألهمها معرفة سليمان.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} قال أبو إسحاق: جاء لفظ: (ادْخُلُوا) كلفظ ما يعقل؛ لأن النمل هاهنا أجري مجرى الآدميين حين نطق كما نطق الآدميون.
وذكرنا استقصاء هذا عند قوله: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ} الآية [يوسف: 4] .
قوله تعالى: {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ} الحَطم: كسر الشيء، والحُطَام: ما يُحطم من ذلك.
ومعنى: {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ} لا يكسرنكم. قال مقاتل: لا يهلكنكم سليمان وجنوده. وذكرنا وجه جواب الأمر بنون التأكيد عند قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا} الآية.
[الأنفال: 25] وهذه الآية وتلك سواء.
وقوله: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} أي: بحطمكم ووطئكم. قال مقاتل: لقد علمت النملة أنه مَلِك لا بغي فيه، ولا فخر، وأنه إن علم بها قبل أن يغشاها لم يتوطاها، لذلك قالت: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} .
ثم وقف سليمان بمَنْ معه ليدخل النمل مساكنها. وهذا يدل على أن سليمان وجنوده كانوا ركبانًا ومشاة على الأرض، ولم تحملهم الريح؛ لأن الريح لو حملتهم بين السماء والأرض ما خافت النمل أن تتوطَّأهم بأرجلهم. ولعل هذه القصة كانت قبل تسخير الله تعالى الريح لسليمان.