وإنما عنى جل ثناؤه بالاستثناء في هذا الموضع الاستثناء من الذين صعقوا عند نفخة الصعق، لا من الذين قد ماتوا قبل ذلك بزمان ودهر طويل، وذلك أنه لو جاز أن يكون المراد بذلك من قد هلك وذاق الموت قبل وقت نفخة الصعق؛ وجب أن يكون المراد بذلك: من قد هلك فذاق الموت من قبل ذلك؛ لأنه ممن لا يصعق في ذلك الوقت، إذ كان الميت لا يجدد له موت آخر في تلك الحال"."
وهذا من دقيق نظره، وجودة فهمه -رحمه الله-.
ينظر: (شعب الإيمان) للبيهقي 1: 533، (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة) للقرطبي ص 188.
فائدة:
جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قرأ هذه الأية: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} قال: (هم الشهداء) .
أخرجه الطبري 18: 135، قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوّام، عمن حدثه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- .. فذكره.
وعزاه في (الدر المنثور) 11: 413 إلى سعيد بن منصور.
قلت: ومع ضعف الإسناد لإبهام الراوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-؛ فالظاهر أنه لا يأخذ حكم الرفع، لاحتمال أن أبا هريرة -رضي الله عنه- فسره باجتهاده اعتمادا على قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] .
الحكم على الحديث:
حديث الصور بطوله؛ قد ضعفه أكثر العلماء، وإليك بعض عباراتهم في ذلك:
قال البخاري في التاريخ الكبير 1: 260:"مرسل، ولم يصح"، وكذا في التاريخ الأوسط (3: 428 - المحققة) .
وقال ابن حجر في ترجمة (محمد بن يزيد) -أحد رواة الحديث- من (تهذيب التهذيب) 9: 462:"قال الخلال: سئل أحمد عن حديثه -يعني حديث الصور- فقال: رجاله لا يعرفون".
وضعفه البيهقي في (شعب الإيمان) 1: 535، وعبد الحق الإشبيلي في كتاب (العاقبة) -كما في (التذكرة) للقرطبي ص 221 - ورجح تضعيفه ابن حجر في (فتح الباري) 11: 376.
وقال ابن كثير في تفسيره 3: 287:"هذا حديث مشهور، وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة."