وتكلم أهل النظر في قولك: هذا أفضل من هذا، وهذا خير من هذا، فقال بعضهم يقال في الخير الذي لا شر فيه والشر الذي لا خير فيه إذا كان يتوهم بعض الجهال الأمر على خلاف ما هو به هذا الخير: خير من الشر، وأنكر على من خالف هذا وعلم ذلك عند أهل الأعراب، وهو: أن الأصل في باب أفعل من كذا للتفضيل، فإذا قيل: هذه الأسطوانة أطول من تلك، فقد وصفها بالطول، إلا أنه يزيد في طول إحداهما على طول الأخرى، وألزم أفعل من ابتداء الغاية، كأن المعنى ابتداء زيادة طولها منتهى الأسطوانة الأخرى، فلا يقال: أفعل من كذا إلا والمفضل عليه فيه ذلك المعنى الذي زاد به المفضل عليه فأما قوله تعالى بعد وصف النار: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} إلى قوله: {وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً} {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} ، ولا خير في الأول فإنما المعنى أن هؤلاء الكفار يحرصون على ما يكسبهم النار كأنهم يرونها خيرا لهم، ثم وصف ما يختارونه بصفته، وأتبعه الخير الذي لا شر فيه، فقال: فعلكم فعل من يرى النار خيرا له من الجنة فانظروا هل هي كذلك أم لا؟ وكذلك قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} أي: يتعرضون لها، ويكتسبونها، ففعلهم فعل من يصبر عليها، وكذلك قوله: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} ، أي: هم مشغولون بعبادة الأوثان عن عبادة الرحمن، وفعلهم ينبئ أنها تنفعهم فوق ما ينفعهم خالقهم، فكأنهم قالوا: إن تلك أنفع لهم منه تبارك وتعالى، ثم قررهم فقال: آلله أنفع لكم أم الأوثان؟ وفصل عظم المنافع التي أنعم الله بها ولم يشاركه غيره فيها فقال: