ثم بعد هذا سكونُ القلب في حالة عَدَمِ وجود الأسباب، فيكون مجرداً عن الشيء، ويكون في إرادته متوكلاً على الله. وهؤلاء متباينون في الرتبة، فواحد يكتفي بوعده لأنه صَدَقَه في ضمانه، فيسكن - عند فقد الأسباب - بقلبه ثقةً منه بوعد ربه .. ويسمى هذا توكلاً، ويقال على هذا: إن التوكل سكون القلب بضمان الربِّ، أو سكون الجاش في طلب المعاش، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نَقْدِه، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد.
وألطف من هذا أن يكتفي بِعِلْمِ أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره الله؛ ويعمل على طاعته؛ ولا يراعي إنجاز ما وَعَدَهَ؛ بَل يِكلُ أمرَه إلى الله .. وهذا هو التسليم.
وفوق هذا التفويض، وهو أنْ يَكِلَ أمرَه إلى الله. ولا يقترح على مولاه بحالٍ، ولا يختار؛ ويستوي عند وجودُ الأسباب وعَدَمُها؛ فيشتغل بأداء ما ألزمه الله؛ ولا يفكر في حال نَفْسِه؛ ويعلم أنه مملوكٌ لمولاه؛ والسيِّدُ أوْلَ بِعَبْدِهِ من العبد بنفسه.
فإذا ارتقى عن هذه الحالة وَجَدَ راحةً في المَنْع؛ واستعذب ما يستقبله من الرَّدِّ ... وتلك هي مرتبة الرضا؛ ويصلح له في هذه الحالة من فوائد الرضا ولطائفه ما لا يحصل لِمَنْ دونَه من الحلاوة في وجود المقصود.
وبعد هذا الموافقة؛ وهي ألا يجد الراحة في المَنْعِ، بل يجد بَدَلَ هذا عند نسيم القربِ زوائد الأُنْس بنسيان كلِّ أرَبٍ، ونيسان وجود سبب أو عدو وجود سبب؛ فكما أنَ حلاوة الطاعة تتصاغر عند بَرْدِ الرضا - وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجاباً - فكذلك أهل الأُنْسِ بالله.
بنسيانِ كلِّ فَقْدٍ ووَجْدٍ، وبالتغافل عن أحوالهم في الوجود والعدم يعدون النزول إلى استلذاذ المنع، والاستقلال بلطائف نقصاناً في الحال.