ألا ترى أن التقدير: فإن لم تفعلوا الإتيان بسورة من مثله ولن تفعلوا لإتيان بسورة من مثله فهما سيان فِي الحذف ؟ وفي كتاب ابن عطية تعليل غريب لعمل لم الجزم ، قال: وجزمت لم لأنها أشبهت لا فِي التبرئة فِي أنهما ينفيان ، فكما تحذف لا تنوين الاسم ، كذلك تحذف لم الحركة أو العلامة من الفعل.
وفي قوله: {ولن تفعلوا} إثارة لهممهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبلغ وأبدع ، وفي ذلك دليلان على إثبات النبوة.
أحدهما: صحة كون المتحدي به معجزاً ، الثاني: الإخبار بالغيب من أنهم لن يفعلوا ، وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى ، ويدل على ذلك أنهم لو عارضوه لتوفرت الدواعي على نقله خصوصاً من الطاعنين عليه ، فإذا لم ينقل دل على أنه إخبار بالغيب وكان ذلك معجزه.
وأما ما أتى به مسيلمة الكذاب فِي هذره ، وأبو الطيب المتنبي فِي عبره ونحوهما ، فلم يقصدوا به المعارضة ، إنما ادعوا أنه نزل عليهم وحي بذلك ، فأتوا من ذلك باللفظ الغث ، والمعنى السخيف ، واللغة المهجنة ، والأسلوب الرذل ، والفقرة غير المتمكنة ، والمطلع المستقبح ، والمقطع المستوهن ، بحيث لو قرن ذلك بكلامهم فِي غير ما ادّعوا أنه وحي ، كان بينهما من التفاوت فِي الفصاحة والتباين فِي البلاغة ما لا يخفى عمن له يسير تمييز فِي ذلك.
فكيف الجهابذة النقاد والبلغاء الفصحاء ، فسلبهم الله فصاحتهم بادعائهم وافترائهم على الله الكذب.
وقوله: {ولن تفعلوا} جملة اعتراض ، فلا موضع لها من الإعراب ، وفيها من تأكيد المعنى ما لا يخفى ، لأنه لما قال: فإن لم تفعلوا ، وكان معناه نفي فِي المستقبل مخرجاً ذلك مخرج الممكن ، أخبر أن ذلك لا يقع ، وهو إخبار صدق ، فكان فِي ذلك تأكيد أنهم لا يعارضونه.