أو يكون المنع: ثواب الخيرات التي عملوها في هذه الدنيا من صلة الأرحام والصدقات ونحوها، مما هي في الظاهر خيرات منعوا ثوابها في الآخرة؛ كقوله: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) ، وقوله: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) ، ونحو ذلك كله، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)
هو ما ذكرنا من الأعمال عملوها في هذه الدنيا رجاء أن يصلوا إليها في الآخرة، فجعلناها هباء منثورا.
قال أهل التأويل: (وَقَدِمْنَا) أي: عمدنا وقصدنا إلى ما عملوا من عمل.
لكن عندنا: جعلنا أعمالهم تلك في الأصل هباء منثورا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: منبثا وهو رهج الدواب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الهباء المنثور: هو غبار الثياب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس، وهو الذي يسمى: الذر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ قوله: (حِجْرًا مَحْجُورًا) أي: عوذا معاذا، يقول: المجرمون يستعيذون من الملائكة.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا) : هو من التكبر، ويقال: من الخلاف: عتا عتيا؛ إذا خالف، يقال في الكلام: لا تعت علي، أي: لا تخالفني.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو من الشدة واليبس؛ كقوله: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) أي: يابسا.
وقال: (حِجْرًا مَحْجُورًا) أي؛ حراما محرمًا، وحجرت عليه ماله، أي: منعته من ماله أحجر حجرا. ويقال: حجرت عينه، أي: لطخت أجفانها بشيء من الدواء.
وقوله: (هَبَاءً مَنْثُورًا) أي: لا شيء، والهباء: هباء النار، أي: رمادًا يكون على أعلى النار إذا خمدت ويقال: هبت النار تهبو هبوا إذا خمدت والجمرة على حالها، إلا أنه قد غطاه ذلك الهباء، وكل شيء ليس لشيء فهو هباء، وتقول: هذا هباء، أي: لا شيء، ومنثور: قد نثر.