إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً أي إن هذا القرآن إنما نزل رحمة بالعباد، فلا يكون سببا لتعجيل العقاب، لذا لم يعاجلكم بالعقوبة رحمة بكم لأنه تعالى غفور رحيم، يمهل ولا يعجل، لتتوبوا وتقلعوا عن الكفر والشرك. فهذه دعوة لهم إلى التوبة والإنابة والإقبال على ساحة الإسلام والهدى، وإخبار لهم بأن رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، فمن تاب تاب الله عليه، بالرغم مما صدر منهم من افتراء وكذب، وكفر وعناد، كما قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة 5/ 73 - 74] وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا، فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ، وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ [البروج 85/ 10] قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة.
وهذا دليل على أن التوبة الصادقة تسقط الإثم والذنب وتجبّ ما قبلها من الذنوب، فهي مغفورة كرما من الله تعالى، وفضلا ورحمة.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات حكاية شبهتين للمشركين وجوابين عنهما، أما الشبهتان فهما: أن القرآن كذب مختلق اختلقه محمد صلّى الله عليه وسلم وأعانه عليه قوم من اليهود وأن القرآن أساطير أي أكاذيب وحكايات المتقدمين، فهي تلقى على محمد، وتقرأ في أول النهار وآخره، أي دائما، حتى تحفظ.
والرد على الشبهة الأولى: أنهم هم الذين افتروا هذا القول الباطل وهم يعلمون بطلانه، لا أن القرآن مفترى. والرد على الشبهة الثانية أن منزل القرآن هو الله الذي يعلم السر والغيب والجهر، فلا يحتاج إلى معلّم، ولو كان القرآن مأخوذا من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها، وقد جاء بفنون تخرج عنها، فليس مأخوذا منها، وأيضا لو كان مأخوذا من هؤلاء، لتمكّن المشركون منه أيضا، كما تمكن محمد صلّى الله عليه وسلم، فهلا عارضوه؟ فبطل اعتراضهم من كل وجه.