فلولا خلق ما يكره من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء -لتعطلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هذا بقوله: (( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ) )صحيح مسلم، حديث رقم 2748، والترمذي حديث رقم 3539، وذلك بلفظ: (( لولا أنكم لا تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون فيغفر لهم ) ).
ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها، ويُنزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك، فلو قَدر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح عديدة، ولو عُطلت تلك الأسباب -لما فيها من الشر- لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر، الذي في تلك الأسباب، وهذا كالشمس والمطر والرياح، التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر.
من هذه الفوائد لخلق إبليس، لو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها، مِن الموالاة لله سبحانه والمعاداة فيه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى، وإيثار محاب الله تعالى، وعبودية التوبة والاستغفار، وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه، ويعصمه من كيده وأذاه ... إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها.
فإن قيل: هل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ هذا سؤال فاسد، وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب.
فإن قيل: إذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه، أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ قيل: هذا السؤال يرد على وجهين:
أحدهما: مِن جهة الرب تعالى، وهل يكون محبًا لها من جهة إفضالها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها.
والثاني: مِن جهة العبد، وهو أنه هل يسوغ له الرضا بها من تلك الجهة أيضًا، فهذا سؤال له شأن.