إرادة الله سبحانه في الكون، ومسألة الاحتجاج بالقدر
كل ما يحدث في الكون فهو بإرادته سبحانه: وهذا ردٌّ لقول القدرية والمعتزلة؛ فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم، والكافر أراد الكفر. وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح، وهؤلاء سُمّوا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضًا، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب.
أما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا، فهو لا يُحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة فيقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلنَّ كذا إن شاء الله، لم يحنث إذا لم يفعله وإن كان واجبًا أو مستحبًّا، ولو قال: إن أَحب الله حنث إذا كان واجبًا أو مستحبًّا.
والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خَلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية. فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، وهذا كقوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} (الأنعام: 125) . وقوله تعالى عن نوح -عليه السلام: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} (هود: 34) . وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد} (البقرة: 253) .