وما الفائدة التي يحصِّلها المؤمنون من وراء نور الله، النور يفرق لكم بين الأشياء كما قلنا، فتميِّزون بين كل شيء ومقابله، فلا تلتبس الأشياء ولا تتشابه الأشباه، ولا تختلط عليكم الأمور، فيمضي الإنسان المؤمن في حياته الدنيا على نورٍ يأخذ ما له ويؤدي ما عليه ويترك ما لغيره بل يحفظه أيضاً، حياةٌ فاضلة جداً.
تأتي سورة الفرقان بعد سورة النور، وقد خُتمت سورة النور بقول الله تعالى {أَلا} يعني انتهبوا {أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} ، طالما له ما في السموات والأرض أي له كل شيء، من الذي من حقه أن يُشرِّع وأن يُنزِّل نظاماً يحكم الحياة؟ الله سبحانه وتعالى {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} ، هذه رابطة بين آخر السورة وأول السورة التي بعدها، هناك أخبر الله أن له مِلْك السموات والأرض، المِلْك الملكية والحيازة [6] ، وهنا أخبر الله تعالى أن له الحكم فيما ملك، وعقلنا أنتج في حياتنا أن من حكم في ما لَه أو مالِه ما ظلم، من حكم في مالِه أو حكم في ما لَه أي في الشيء الذي له الملكية فيه ما ظلم أبداً، هذا حقه {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
في سورة النور وسورة الفرقان ذكر الله تعالى بطلان سعي الكافرين، لعلكم تلاحظون والناس ينطقون فعلاً بأن الدول الأخرى الأجنبية عندهم حياةٌ عملية وهم عمليون أكثر منا، نعم هذه حقيقة، حركتهم في الحياة أشد من حركتنا ولكن أين تذهب حركتهم وأين تنتهي حركتنا؟ هذا هو المهم، ليس القصد في السعي الكثير وإنما في النتيجة، في الهدف الذي نصل إليه، سعيك وإن قل يذهب بك إلى الجنة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم"أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل" ( [7] ) وأدخل رجلاً الجنة لأنه سقى كلباً [8] ، وأدخل رجلاً قتل مئة نفس الجنة لأنه تاب توبةً صادقة، وهجر أرض المعصية إلى أرض يطيع الله ويعبده فيها [9] .