هذا كله بالعقل، قبل أن يأتي الشرع، فذكر الله أنه خلق السموات السبع وجعلها بروجاً وخلق الأرض، كل ذلك في ستة أيام واستوى على العرش، أن الله تعالى خلق الريح والماء {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} ، كما قال في السورة السابقة {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} ذكر هنا خلق الإنسان من ماء كمثال وهكذا، ذكر الله تعالى أنه خلق الشمس والقمر وجعل الليل والنهار خلفة، وآيات كونيةً كثيرة لو تذكرها الإنسان وتفكر فيها وهي تمر أمام عينيه وينعم بأثرها في حياته، لو تفكر فيها لعلم أن هذا الكون لم يخلق عبثاً، كما تساءلت سورة المؤمنون {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} ، الفعل العبث والصنع العبث لا يقوم على مقادير محددة ونسب مخصوصة، إنما يكون هكذا كما يكون، اجمع هذا بأي قدر مع هذا بأي قدر وكما يخرج، كما يتيسر، بظروفها كما يقول الناس، لكن الأمر الذي لا يُصنع عبثاً هو الأمر الذي يقوم على مقادير خاصة وحسابٍ دقيق، نسبة كذا في كذا بقدر كذا، وهذا نسبته كذا وهذا كذا، هذه النسب الدقيقة لا يتكلفها الصانع عادةً إلا لغرضٍ وهدفٍ عظيم، إلا بشيءٍ يريده من وراء هذا الصنع، فطالما خلق الله تعالى هذا الخلق كله بهذه الدقة التي لا نهاية لها ولا يبلغها علم البشر، يعلمون منها الشيء ويخفى عنهم الشيء الكثير، هذه الدقة الكبيرة العظيمة دلالةٌ واضحةٌ على أن الله ما خلق هذا الخلق عبثاً، فلو تفكر الكافر فيما حوله من آيات لعرف أن لهذا الكون إلهاً، ولرأى بعين قلبه أنه لا إله إلا ذلك الإله، ثم يأتيه شرع الله عز وجل فتتلى عليه الآيات فتتوافق الآيات الشرعية مع الآيات الكونية دون أن يجد بينهما تعارضاً.