اختلف السَّلفُ في تأويلِ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) .
فقال مجاهد: هي المضغةُ التي تسقطُها المرأةُ ، منها ما هو مُخَلَّقٌ فيه
تصوير وتخطيطٌ ، ومنها ما ليسَ بمخلَّقٍ ولا تصوير فيه ، أرَى اللَهُ تعالى ذلك
عبادَه ليُبَين لهم أصْلَ ما خُلِقُوا منه ، والذي يُقِرّه في الأرحامِ هو الذي يتمُّ
خلْقُهُ ولُولَدُ.
وقالتْ طائفةٌ: المخلقةُ: هي التي يتمُّ خلْقُها ، وغيرُ مخلقة: هي التي
تَسقُطُ قبلَ أن تكونَ مضغةً.
روى الشَّعْبيُّ ، عن علْقَمَةَ ، عن ابنِ مسعودٍ ، قال: النطفةُ إذا استقرتْ في
الرَّحم حَمَلَها ملَكٌ بكفِّه ، وقال: أي ربِّ ، مخلقة أم غيرُ مُخلقةٍ ؟
فإنْ قيلَ: غير مخلقةٍ: لم تكنْ نسمة ، وقذفَتْها الأرحامُ.
وإن قيلَ: مخلقةٌ ، قالَ: أي ربِّ ، أذكرٌ أم أنثى ؟ أشقيّ أم سعيدٌ ؟
ما الأجلُ ؟ ما الأثرُ ؟ وبأيِّ أرضٍ تموتُ ؟
قال: فيقالُ للنطفةِ: من ربّكِ ؟
فتقولُ: اللَّهُ ، فيقالُ: من رازقُكِ ؟ فتقولُ: اللَّهَ.
فيقولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: اذهبْ إلى الكتابِ ، فإنَّكَ ستجدُ فيه قصةَ هذه
النطفةِ ، قالَ: فتُخلقُ ، فتعيشُ في أجلِها ، وتأكلُ رزقَها ، وتطأُ في أثَرِها.
حتى إذا جاء أجلُها ماتتْ ، فدُفنتْ في ذلكَ ، ثم تلا الشعبيُّ:(يَا أَيُّهَا الناسُ
إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ)إلى قولهِ: (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) ، فإذا
بلغتْ مضغةً نُكِسَتْ في الخَلْقِ الرابع ، فكانتْ نسمةً ، فإنْ كانتْ غيرَ مخلقةٍ
قذفَتْها الأرحامُ دمًا ، وإن كانتْ مخلقةً نكِسَتْ نسمةً.
خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه ، وآخرُهُ هو من قولِ الشعبيِّ.
وقد يستأنسُ بهذا من يقولُ: إنَّ الحاملَ لا تحيضُ ولا ترى دمَ الحيضِ في
حالِ حَمْلِها ، وأنَها لا ترَى إلا دمَ النِّفاسِ خاصةً ، وفي ذلكَ نظرٌ.