فيكون تشديد المحنة عليه في الدنيا كفارة له في الدنيا، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبًا من الله، كالطاعون مثلًا. فإنه رحمة وطهرة للمؤمنين، ورجز - أي: عذاب - وغضب للكافرين.
روي: أنَّ عامرًا مرَّ برجل قد صلبه الحجاج، فقال: يا رب إن حلمك على الظالمين أضر بالمظلومين، فرأى في منامه كأن القيامة قد قامت، وكأنه دخل الجنة فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين فإذا مناد ينادي حلمي على الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين.
واعلم: أن الله تعالى يدفع في كل عمر مدبرًا بمقبل، ومبطلًا بمحق، وفرعونًا بموسى، ودجالًا بعيسى، وأبا جهل بمحمد، فلا تستبطئ ولا تتضجر.
والخلاصة: أن الله سبحانه لقوي على نصر من جاهد في سبيله من أهل طاعته، منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب. ونحو الآية قوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) }
{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) }
فإن قلت: لم كرر التكثير بكأين من القرى؟
قلت: لا تكرار فيه؛ لأن الثانية أفادت غير ما أفادت الأولى؛ لأنه ذكر في الأولى القرية التي أهلكها بدون إملاء وإمهال، بل أعقب الإهلاك بعد التذكير.
وذكر في الثانية القرية التي أمهل لها حتى استعجلت بالعذاب، ثم جاء إهلاكها، تنبيهًا على أن قريشًا وإن أمهلهم حتى استعجلوا بالعذاب لا بد من عذابهم، فلا يغتروا بتأخير العذاب عنهم.
فإن قلت: لم عطفت الأولى بالفاء، والثانية بالواو، فما الفرق بينهما؟
قلت: الأولى وقعت بدلًا من قوله: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} فناسبتها الفاء، والثانية وقعت بعد الجملتين المعطوفتين بالواو. أعني قوله: {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} وقوله: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ} فناسبها العطف بالواو، كما ذكره الزمخشري.
{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) }
فإن قلت: لِمَ اقتصر هنا على الإنذار فقط، مع أنه بين حال الفريقين فيما بعد؟
قلت: لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين وعقابهم، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم فيما بعد زيادة في غيظهم.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ... (63) }
قال الزمخشري: