ومنها: أنه يتغافل عن كثير من زلات المريد رحمة الله عليه، ولا يؤاخذه بكل سهو أو خطأ أو نسيان أو عمد بضعف حاله إلا بما يؤدي إلى مخالفة أمر من أوامر أو مزاولة نهي من نواهيه، أو يؤدي إلى إنكار واعتراض على بعض أفعال له وأقوال، فإنه يؤاخذه به وينهاه عن ذلك، فإن رجع عن ذلك فاستغفر منه واعترف بذنبه وندم عليه وشرط معه ألا يعود إلى مثاله ويعتذر مما جرى عليه كما كان الكليم حين قال: {قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَ?حِبْنِي} [الكهف: 73 - 76] أي: لا تضيق علي أمري فإني لا أطيق ذلك.
ومنها: أنه لو ابتلي المريد بنوع من الاعتراض أو مما يوجب الفرقة يعفو عنه مرة أو مرتين، ويصفح ولا يفارقه، فإن عاد إلى الثالثة فلا يصاحبه {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} [الكهف: 76 - 77] فقل كما قال الخضر: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ} [الكهف: 78] .
ومنها: أنه لو آل أمر الصحبة إلى المفارقة بالاختيار وبالاضطرار فلا يفارقه إلا على النصيحة؛ فينبئه عن سر ما كان عليه الاعتراض، ويخبره عن حكمته التي لم يحط بها خبراً، ويبين له تأويل ما لم يستطع عليه صبراً، لئلا يبقى معه إنكار فلا يفلح إذا أبداً.